وأخطر ما يواجه المسلمين من هذه النظريات الوافدة المطروحة في أفق الفكر الإسلامي أن يظن البعض أنها علوم ومفاهيم علمية مقررة والحقيقة أنها مجموعة من الفروض التي قدمها بعض الفلاسفة والمفكرين وأن كثيرًا منها ثبت فساده وفشله وأن أبرز ما يدلل على اضطرابها هو عجزها عن العطاء أو عن الثبات مع الزمن أو البيئة وعدم صلاحيتها للتطبيق بعد قليل مما جعل أصحابها ودعاتها يغيرونها بالحذف والإضافة ومع ذلك فهي من الفكر البشري الذي لا يثبت أمام المفاهيم الربانية الحقة التي قدمها الإسلام في مجال النفس والاجتماع والأخلاق.
بل لقد تبين أن هذه النظريات الداعية إلى التحرر من القيم الأخلاقية إنما هي مفاهيم تلمودية قد صنعت بدقة في أسلوب علمي براق زائف وأن بروتوكولات صهيون كشفت عن ذلك صراحة.
وأن أغلب هذه النظريات إنما كانت موجهة في الحقيقة ضد الدين الذي عرفته أوربا والذي لم يحقق لها استجابة صحيحة مع أشواق النفس الإنسانية فحال بينها وبين ممارسة الحياة الاجتماعية الطبيعية حين فرض عليها"الرهبانية"ومن ثم كانت هذه الموجة العاتية التي يطلقون عليها ثورة الجنس للوصول إلى أقصى الطرف الآخر في الإباحية وتحرير مفاهيمهم من أغلال المفاهيم المسيحية الجامدة. وهذه القضية بجملتها ليست مطروحة في أفق الفكر الإسلامي الذي دعا دينه إلى حق المتاع الدنيوي بالطعام والمرأة في أوضاع صحيحة وضوابط كاملة دون أن يحرم الإنسان منها شيئًا.
ولقد كانت نظرية فرويد بالتفسير الجنسي للتصرفات الإنسانية موضع نقد وتجريح من علماء النفس أنفسهم فضلًا عن معارضتها للفطرة الإنسانية وقد تبين في العصر الأخير أن العامل الجنسي ليس هو المصدر الأوحد للتصرف الإنساني ولمنه واحد من عوامل كثيرة منها تأكيد الذات ومركب النقص والإيمان بالعقيدة ذلك الدافع الخطير إلى الموت في سبيل الحق.
ومن منطلق حرب اليهودية للجوييم أو للأميين كانت محاولتهم لهدم كل قيم الأخلاق والاجتماع والأسرة على النحو الذي قام به فرويد ودوركايم الذي كانت نظريته في علم الاجتماع قائمة على إنكار القواعد الأخلاقية والدينية التي قررها الدين الحق وإنكار فطرة الدين والأسرة والزواج ودوركايم هو الذي روج للنظرية القائلة بأن الدين لم ينزل من السماء وإنما خرج من الجماعة نفسها وهو يدعو إلى ما يسمى بالعقل الجمعي الذي ينكر مسؤولية الإنسان عن عمله والتزامه الأخلاقي الذي هو مصدر الحساب والجزاء الأخروي، كما أنه ينفي القداسة عن الدين والأخلاق والأسرة ويشكك فيها ويدعو إلى تحطيم الدين لأنه يعوق التطور، هذه الأفكار المسمومة التي روجتها التلمودية والفقكر الغربي بعد أن سقط أسيرًا للتلمودية، يحاولون الآن طرحها في أفق الفكر الإسلامي لإخراجه عن فطرته وذاتيته ومفهومه الرباني الجامع القائم على التوحيد والرحمة والإخاء البشري.
ولعل من أخطر ما يواجه اليقظة الإسلامية في مطلع القرن الخامس عشر الهجري هو هذه التحديات التي تتصل بالمجتمع والأسرة والطفل والمرأة، المستمدة من هذه النظرة المادية الخالصة التي يقوم علم الاجتماع وعلم النفس كما يدرس الآن في الجامعات حيث ينشئ أجيالًا تقوم عقليتها على أساس النظرة المادية الخالصة إلى الإنسان وحيث تنظر في سخرية وامتعاض إلى الأخلاق والدين والأسرة. ونرى أن هذا الذي تعلمه ليس مجرد نظريات لها مقابل في الفكر الإسلامي أكثر أصالة وأعمق نظرة بل هو من الحقائق العلمية والمسلمات التي لا مرد لها، بينما هي لا تعرف وجه الحقيقة بالنسبة لمفهوم الإسلام الحق الذي هو فطرة الله. فطرة الله التي فطر الناس عليها وهو المفهوم الذي يقرر أن الإنسان روح وجسد وعقل وقلب وأنه لا يمكن تفسيره عن طريق المذاهب المادية التي تعامله كالحيوان أو المناهج التجريبية التي تعامله كالمادة الصماء. ولاريب أن نظرية دوركايم في علم الاجتماع حين تلتقي بنظرية فرويد في علم النفس ونظرية ماركس في الاقتصاد من شأنها أن تشكل إنسانًا مضطربًا مزعزع الوجدان.
ومن عجب أن تبرز هذه المفاهيم في مختلف مجالات الثقافة والتعليم والصحافة بينما تختفي مفاهيم الإسلام في النفس والأخلاق وتتضائل ولا تعرض حتى على أنها وجهة نظر الأمة التي تواجه تلك القضايا والتحديات بل لعله في الحقيقة ليس هناك مفهوم أعمق وأصدق من هذا المفهوم الإسلامي وأن مفهوم الغرب كان مصدر الكارثة التي تحل بالبشرية اليوم لا نفصاله عن الفطرة والعلم ودعوته إلى الانشطارية بين الروح والمادة والعقل والقلب وهو مصدر التمزق والغثيان والغربة التي هي أزمة الحضارة الغربية المعاصرة.
ثالثًا: من أخطر التحديات التي تواجه الفكر الإسلامي ما طرحه الوافد في أفقه من تفسيرات غربية وماركسية وصهيونية وهي جميعها تفسيرات مضللة مستمدة من التفسير المادي للتاريخ الذي طرحه إنجلز وماركس وهو مفهوم ناقص لأنه يتجاهل عوامل كثيرة لها أثرها في توجيه التاريخ.