إن تفسير التاريخ الإسلامي عن طريق مناهج التفسير الغربي هو بمثابة عجز عن النظرة الصحيحة لحركات ووقائع التاريخ الإسلامي فقد قاس الكتاب الغربيون الوقائع الإسلامية على ظروف الامبراطورية الرومانية وغيرها مع اختلاف الظروف والمقاييس.
كذلك فقد كانت نظرة الغربيين إلى تاريخ الإسلام ناقصة وقاصرة لأنها صدرت عن ذلك الاعتبار الخاطئ بأن تاريخ الغرب هو تاريخ البشرية وأن ما عدا ذلك ليس تاريخًا ولا يدخل إلى ساحة المقاييس أو الصورة العامة.
وأشد أنواع الخطأ هي فكرة"الحتمية"التاريخية و"الجبرية"الاجتماعية التي يجرى تطبيقها على التاريخ الأوربي، وأشد ما عجزت عنه تفسيرات الغربيين للإسلام هي عجزهم عن فهم ذلك الجانب المعنوي والروحي: والوحي والنبوة والرسالة السماوية وما يتصل بها من بناء القوة القادرة بإيمانها على هزيمة القوة المادية التي هي أكبر منها عدة وعددًا؟
وتتمثل المعالجة الغربية الظالمة لتاريخ الإسلام في أن علماء الغرب فرضوا التقسيم الغربي للعصور التاريخية على تاريخ العالم وتعميم مقايستهم فيها، فالعصور الوسطى مثلًا هي عصور الظلام في رأيهم ما دامت أوربا كانت في الظلام متجاهلين الحضارة العربية الإسلامية التي كانت متألقة في تلك العصور وتاريخ أفريقيا السوداء يبدأ عندهم حينما دخلها الرحالة الأوروبيون، أما قبل ذلك فليس لها تاريخ، وتمتد هذه النظرة إلى الفكر العالمي الذي هو عندهم الفكر الغربي.
وقد تجسدت هذه النظرة في نظريات ولدت في الغرب قسمت شعوب العرب إلى فئات: دماء بعضها نقية زرقاء، ودماء بعضها الآخر سوداء، وإلى أجناس عليا وأجناس دنيا.
ومن منطلق التفسير المادي للتاريخ عجز المؤرخون الأوروبيون عن تفسير الأحداث الكبرى في تاريخ الإسلام وخاصة تفسير سرعة انتشار الإسلام فما زالوا يقيسون ذلك بالمقياس المادي وكذلك انتصار المسلمين بالعدد الأقل على الروم والفرس بالأعداد الضخمة وهم يسقطون من حسابهم القوة المعنوية: قوة الإيمان التي هي في تقدير التفسير الإسلامي للتاريخ عامل مواز إن لم يكن أهم من القوة المادية.
كذلك فقد عجز كتاب الغرب ومؤرخوه عن ضبط النفس في تقدير المواقف المشتركة كمعركة بواتيه والحروب الصليبية والاستعمار الحديث فانحرفوا في تفسيرها مع أهوائهم ومع غرورهم واستعلائهم وبروح الاحتقار والانتقاص للشعوب الضعيفة والمستعمرة.
وكما حمل التفسير المسيحي للتاريخ روح الخصومة، كذلك حمل التفسير الصهيوني للتاريخ الإسلامي روح الحقد، وكان التفسير الماركسي للتاريخ أكثر حقدًا وخصومة، وقد عملت هذه التفسيرات على إعلاء شأن الحضارات القديمة والأديان الوثنية السابقة للإسلام أو الإدعاء بأن العرب كانوا ناهضين ومتحضرين ولم يكن ينقصهم إلا قائد لينهضوا ونسوا أن العرب حاربوا الرسول ثلاثة عشر عامًا ووقفوا بالخصومة إزاء كلمة الإسلام حتى فتح الله لها أفقًا جديدًا في يثرب.
رابعًا: الدعوة إلى إثارة العصبية والعنصرية وإعلاء الأجناس البيضاء وذلك في محاولة لفرض النفوذ الاستعماري الغربي على الأمم الملونة والقول بوصاية زائفة للجنس الأبيض على العالم والبشرية.
كما عمدوا إلى إذكاء رياح الدعوة إلى الإقليمات والقوميات الضيقة للقضاء على روح الوحدة الإسلامية الجامعة بين الدول الإسلامية والعربية والتي كانت تجمعها تحت راية الخلافة الإسلامية سواء منها ما كان تابعًا للدولة العثمانية (كالعرب والترك) أو بقية البلاد الإسلامية التي كانت تدين بالولاء للخليفة المسلم أمام المسلمين.
ولقد حملت دعوات الإقليمية والقومية رياح العصبية والعنصرية الغربية وكانت محاولة خطيرة لوضع الحواجز التي تجمعها رابطة العقيدة والثقافة والتوحيد.
ولقد استهدفت هذه الدعوة في البلاد العربية إلى إعلاء طابع الاستعلاء الجنسي المغلق في مواجهة الأمم الإسلامية، وخلق طابع الانعزال والانفصال الكاملين في التاريخ والتراث والمقومات الإسلامية واستهدفت كذلك خلق وجود معاصر منفصل تمامًا عن الإسلام وعن العالم الإسلامي متصل بالغرب في تفسيراته وطوبعه.
لقد كان هدف هذه الدعوة إعلاء شأن القوميات حتى في الأمم الإسلامية ذاتها فضلًا عن فصل هذه الأمم عن الفكر الإسلامي وفصل العرب عن الامتداد الإسلامي.