بيان الحق والصبر على عواقب ذلك من مقاصد بعثة الرسل وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في سبيل بيان الحق أتم قيام وعلى هذا الدرب سار أهل السنة من بعده وصمدوا في سبيل الصدع بالحق والمحافظة على أصول الدين وحفظ عقائد الناس وهذا بعض مما تناوله درسنا.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد، ، ،
فإن الله سبحانه أراد أن يُبين الحق للناس، وأن لا يكون لأحد عذر أن لا يبلغه الحق والدين؛ ولذلك أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: [...لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ...] رواه البخاري ومسلم . فقام الأنبياء بالبيان، وبعدهم كان العلماء وطلبة العلم وكل من علم حقًا لزامًا عليهم أن يسيروا على طريق الأنبياء، وأن يُبينوا، قال تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ [187] } [سورة آل عمران] . وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [159] } [سورة البقرة] .
فهذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم أن يبينوا للناس الحق أن يبينوا للناس أحكام الشريعة، ولا يكتمون ذلك، فمن كتم ما أنزل الله، وغش عباد الله؛ فـ { يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ } أي: يبعدهم، ويطردهم عن قربه ورحمته، { وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } جميع الخليقة . وأما الذين يعلمون الناس الخير، ويبينون الحق؛ فان الله يصلي عليهم، وملائكته تصلي عليهم، حتى الحيتان والأسماك وسائر الحيوانات والبهائم، حتى النملة في جحرها، كلٌ جزاؤه من جنس عمله .
وتوعد الله الذين يكتمون ما أنزل لقاء شيء من الحياة الدنيا: { إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [174] } [سورة البقرة] . فالذي يريد الحطام الدنيوي ليكتم ما أنزل الله، ويخفي الحق، أو يقول الباطل: { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ } فالثمن الذي اكتسبوه من أعظم المحرمات ، وسيكون نارًا في بطونهم يوم القيامة، { وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ } بل يسخط عليهم، ويعرض عنهم، ومن أعرض الله عنه، فالنار مثواه . وقال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ] رواه أبوداود والترمذي وابن ماجة وأحمد. والجزاء من جنس العمل فكما ألجم نفسه بالسكوت عن الحق؛ ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة.
وقد قال الله سبحانه: { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ... [213] } [سورة البقرة] . وقال عز وجل: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ [39] } [سورة النحل] . إذًا: بعثناه ليبين لهم ما اختلفوا فيه.