الركن الأول:الإيمان بالله تعالى
الإيمان بالله هو: الاعتقاد الجازم بأن الله رب كل شيء ومليكه، وأنه الخالق المدبر للكون، وأنه هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وأن كل معبود سواه باطل، وعبادته باطلة، وأنه سبحانه متصف بصفات الكمال ونعوت الجلال منزه عن كل نقص وعيب. ويشمل الإيمان بالله تعالى:
1-توحيد الربوبية:
هو إفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير.
فإفراده بالخلق أن يعتقد الإنسان أنه لا خالق له إلا الله، قال تعالى: (أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ) [الأعراف: 54] . وقال تعالى: ( هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) [فاطر: 3] . وقال تعالى: (قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ) [المؤمنون: 88] .
وأما إفراد الله بالتدبير فهو أن يعتقد الإنسان أنه لا مدبر إلا الله وحده، كما قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) [يونس: 31] .
وهذا القسم من التوحيد لم يعارض فيه المشركون الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم بل كانوا مقرين به، قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [الزخرف: 9] .
ولم ينكره أحد معلوم من بني آدم إلا ما كان من فرعون فإنه أنكره مكابرة، قال تعالى حكاية عنه: (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى) [النازعات: 24] .
وأنكر توحيد الربوبية على سبيل التشريك المجوس حيث قالوا إن للعالم خالقين هما الظلمة والنور، وإن جعلوا النور خيرًا من الظلمة.
2-توحيد الألوهية:
يقال له توحيد العبادة؛ فباعتبار إضافته إلى الله يسمى توحيد الألوهية، وباعتبار إضافته إلى الخلق يسمى توحيد العبادة، وهو: إفراد الله عز وجل بالعبادة. فالمستحق للعبادة هو الله تعالى، وكل معبود سواه فعبادته باطلة. قال تعالى: (لا تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا) [الإسراء: 22] .
وهذا القسم كفر به وجحده عامة الخلق، ومن أجل ذلك أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25] .
3-توحيد الأسماء والصفات:
هو الإيمان بالله وصفاته كما جاءت في القرآن العظيم، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم على ما يليق بالله سبحانه؛ وذلك بإثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ونفي ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل.
قال تعالى: (ليس كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) [الشورى: 11] .
وهذا النوع من أنواع التوحيد هو الذي ضلت فيه بعض الطوائف، وانقسموا فيه إلى فرق كثيرة. ومما يلحق بالإيمان بالله عز وجل الإيمان بالغيب.
مفهومه وأثره في عقيدة المسلم:
أولا:الإيمان بالغيب:
الغيب مصدر يستعمل في كل غائب عن الحاسة، علم أو لم يعلم. والإيمان بالغيب، أي بما لا يقع تحت الحواس، ولا يدرك ببداهة العقول إنما يعلم بخبر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والإيمان بالغيب من صفات المؤمن كما قال تعالى: (الم( 1 ) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ( 2 ) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ( 3 ) [البقرة] .
وقيل في معنى إيمانهم رأيان:
(أ) أنهم يؤمنون بما كان غائبًا عن الحاسة، مما جاء الخبر به عن الله تعالى وعن رسله - عليهم الصلاة والسلام.
(ب) أنهم يؤمنون بالله - تعالى - حال غيبته كما يؤمنون به حال الحضور بخلاف المنافقين. ولا منافاة بين المعنيين فلا بد من الأمرين في المؤمن.
ثانيًا: أثر الإيمان بالغيب في عقيدة المسلم:
للإيمان بالغيب آثار كبيرة تنعكس على سلوك الإنسان، وسيرته في الحياة، فهي دافع قوي لأعمال الخير ومكافحة الشر منها:
(أ) الإخلاص في العمل- فإن المؤمن بالله وثوابه وعقابه سيمتثل أوامر الله، ويحذر من نواهيه رغبة في الثواب، وخوفًا من العقاب في الآخرة، لا طمعًا في الجزاء والشكر الدنيوي من الناس كما أخبر الله - تعالى - عن عباده المطعمين الطعام مع حبهم له بقوله عنهم: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا(8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلا شُكُورًا ) (9) [الإنسان] .