الوصية الصغرى
لإبن تيمية
سؤال أبى القاسم المغربى
يتفضل الشيخ الإمام بقية السلف وقدوة الخلف أعلم من لقيت ببلاد المشرق والمغرب تقى الدين أبو العباس أحمد بن تيمية بأن يوصينى بما يكون فيه صلاح دينى ودنياى ويرشدنى إلى كتاب يكون عليه إعتمادى في علم الحديث وكذلك في غيره من العلوم الشرعية وينبهنى على أفضل الأعمال الصالحة بعد الواجبات ويبين لى أرجح المكاسب كل ذلك على قصد الإيماء والإختصار والله تعالى يحفظه والسلام الكريم عليه ورحمة الله وبركاته
فأجاب
الحمد لله رب العالمين
أما الوصية فما أعلم وصية أنفع من وصية الله ورسوله لمن عقلها وإتبعها قال تعالى ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن إتقوا الله
ووصى النبى صلى الله عليه وسلم معاذا لما بعثه إلى اليمن فقال يا معاذ إتق الله حيثما كنت وإتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن
وكان معاذا رضى الله عنه من النبى صلى الله عليه وسلم بمنزلة علية فإنه قال له يا معاذ والله إنى لأحبك وكان يردفه وراءه وروى فيه أنه أعلم الأمة بالحلال والحرام وأنه يحشر إمام العلماء برتوة أى بخطوة ومن فضله أنه بعثه النبى صلى الله عليه وسلم مبلغا عنه داعيا ومفقها ومفتيا وحاكما إلى أهل اليمن
وكان يشبهه بإبراهيم الخليل عليه السلام وإبراهيم إمام الناس وكان إبن مسعود رضى الله عنه يقول إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين تشبيها له بإبراهيم
ثم إنه صلى الله عليه وسلم وصاه هذه الوصية فعلم أنها جامعة وهى كذلك لمن عقلها مع أنها تفسير الوصية القرآنية
أما بيان جمعها فلأن العبد عليه حقان حق لله عز وجل وحق لعباده ثم الحق الذى عليه لا بد أن يخل ببعضه أحيانا إما بترك مأمور به أو فعل منهى عنه فقال النبى صلى الله عليه وسلم إتق الله حيثما كنت وهذه كلمة جامعة وفى قوله حيثما كنت تحقيق لحاجته إلى التقوى في السر والعلانية ثم قال وإتبع السيئة الحسنة تمحها فإن الطبيب متى تناول المريض شيئا مضرا أمره بما يصلحه والذنب للعبد كأنه أمر حتم فالكيس هو الذى لا يزال يأتى من الحسنات بما يمحو السيئات وإنما قدم في لفظ الحديث السيئة وإن كانت مفعولة لأن المقصود هنا محوها لا فعل الحسنة فصار كقوله في بول الأعرابى صبوا عليه ذنوبا من ماء
وينبغى أن تكون الحسنات من جنس السيئات فإنه أبلغ في المحو والذنوب يزول موجبها بأشياء
أحدها التوبة
و الثانى الإستغفار من غير توبة فإن الله تعالى قد يغفر له إجابة لدعائه وإن لم يتب فإذا إجتمعت التوبة والإستغفار فهو الكمال
الثالث الأعمال الصالحة المكفرة إما الكفارات المقدرة كما يكفر المجامع في رمضان والمظاهر والمرتكب لبعض محظورات الحج أو ترك بعض واجباته أو قاتل الصيد بالكفارات المقدرة وهى أربعة أجناس هدى وعتق وصدقة وصيام
وإما الكفارات المطلقة كما قال حذيفة لعمر فتنة الرجل في أهله وماله وولده يكفرها الصلاة ةالصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقد دل على ذلك القرآن والأحاديث الصحاح في التكفير بالصلوات الخمس والجمعة والصيام والحج وسائر الأعمال التى يقال فيها من قال كذا وعمل كذا غفر له أو غفر له ما تقدم من ذنبه وهى كثيرة لمن تلقاها من السنن خصوصا ما صنف في فضائل الأعمال
وإعلم ان العناية بهذا من أشد ما بالإنسان الحاجة إليه فإن الإنسان من حين يبلغ خصوصا في هذه الأزمنة ونحوها من أزمنة الفترات التى تشبه الجاهلية من بعض الوجوه فإن الإنسان الذى ينشأ بين أهل علم ودين قد يتلطخ من أمور الجاهلية بعدة أشياء فكيف بغير هذا
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم من حديث أبى سعيد رضى الله عنه لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى دخلوا حجر ضب لدخلتموه قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن هذا خبر تصديقه في قوله تعالى فإستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتهم كالذى خاضوا ولهذا شواهد في الصحاح والحسان
وهذا أمر قد يسرى في المنتسبين إلى الدين من الخاصة كما قال غير واحد من السلف منهم إبن عيينة فإن كثيرا من أحوال اليهود قد إبتلى به بعض المنتسبين إلى العلم وكثيرا من أحوال النصارى قد ابتلى به بعض المنتسبين إلى الدين كما يبصر ذلك من فهم دين الإسلام الذى بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ثم نزله على أحوال الناس
وإذا كان الأمر كذلك فمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه وكان ميتا فأحياه الله وجعل له نورا يمشى به في الناس لا بد أن يلاحظ أحوال الجاهلية وطريق الأمتين المغضوب عليهم والضالين من اليهود والنصارى فيرى أن قد إبتلى ببعض ذلك