فهرس الكتاب

الصفحة 11649 من 27345

فأنفع ما للخاصة والعامة العلم بما يخلص النفوس من هذه الورطات وهو إتباع السيئات الحسنات والحسنات ما ندب الله اليه على لسان خاتم النبيين من الأعمال والأخلاق والصفات ومما يزيل موجب الذنوب المصائب المكفرة وهى كل ما يؤلم من هم أو حزن أو أذى في مال أو عرض أو جسد أو غير ذلك لكن ليس هذا من فعل العبد

فلما قضى بهاتين الكلمتين حق الله من عمل الصالح وإصلاح الفاسد قال وخالق الناس بخلق حسن وهو حق الناس

وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والإستغفار والثناء عليه والزيارة له وتعطى من حرمك من التعليم والمنفعة والمال وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض وبعض هذا واجب وبعضه مستحب

وأما الخلق العظيم الذى وصف الله به محمدا صلى الله عليه وسلم فهو الدين الجامع لجميع ما أمر الله به مطلقا هكذا قال مجاهد وغيره وهو تأويل القرآن كما قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن وحقيقته المبادرة إلى إمتثال ما يحبه الله تعالى بطيب نفس وإنشراح صدر

وأما بيان أن هذا كله في وصية الله فهو أن إسم تقوى الله يجمع فعل كل ما أمر الله به إيجابا وإستحبابا وما نهى عنه تحريما وتنزيها وهذا يجمع حقوق الله وحقوق العباد لكن لما كان تارة يعنى بالتقوى خشية العذاب المقتضية للإنكفاف عن المحارم جاء مفسرا في حديث معاذ وكذلك في حديث أبى هريرة رضى الله عنهما الذى رواه الترمذى وصححه قيل يا رسول الله ما أكثر ما يدخل الناس الجنة قال تقوى الله وحسن الخلق قيل وما أكثر ما يدخل الناس النار قال الأجوفان الفم والفرج

وفى الصحيح عن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا فجعل كمال الإيمان في كمال حسن الخلق ومعلوم أن الإيمان كله تقوى الله وتفصيل أصول التقوى وفروعها لا يحتمله هذا الموضوع فإنها الدين كله لكن ينبوع الخير وأصله إخلاص العبد لربه عبادة وإستعانة كما في قوله إياك نعبد وإياك نستعين وفى قوله فإعبده وتوكل عليه وفى قوله عليه توكلت وإليه أنيب وفى قوله فإبتغوا عند الله الرزق وإعبدوه وإشكروا له بحيث يقطع العبد تعلق قلبه من المخلوقين إنتفاعا بهم أو عملا لأجلهم ويجعل همته ربه تعالى وذلك بملازمة الدعاء له في كل مطلوب من فاقة وحاجة ومخافة وغير ذلك والعمل له بكل محبوب ومن أحكم هذا فلا يمكن أن يوصف ما يعقبه ذلك

أما ما سألت عنه أفضل الأعمال بعد الفرائض فإنه يختلف بإختلاف الناس فيما يقدرون عليه وما يناسب أوقاتهم فلا يمكن فيه جواب جامع مفصل لكل أحد لكن مما هو كالإجماع بين العلماء بالله وأمره أن ملازمة ذكر الله دائما هو أفضل ما شغل العبد به نفسه في الجملة وعلى ذلك دل حديث أبى هريرة الذى رواه مسلم سبق المفردون قالوا يا رسول الله ومن المفردون قال الذاكرون الله كثرا والذاكرات وفيما رواه أبو داود عن أبى الدرداء رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم قالو بلى يا رسول الله قال ذكر الله

والدلائل القرآنية والإيمانية بصرا وخبرا ونظرا على ذلك كثيرة وأقل ذلك أن يلازم العبد الأذكار المأثورة عن معلم الخير وإمام المتقين صلى الله عليه وسلم كالأذكار المؤقتة في أول النهار وآخره وعند أخذ المضجع وعند الإستيقاظ من المنام وادبار الصلوات والأذكار المقيدة مثل ما يقال عند الأكل والشرب واللباس والجماع ودخول المنزل والمسجد والخلاء والخروج من ذلك وعند المطر والرعد إلى خير ذلك وقد صنفت له الكتب المسماة بعمل اليوم والليلة

ثم ملازمة الذكر مطلقا وأفضله لا إله إلا الله وقد تعرض أحوال يكون بقية الذكر مثل سبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله أفضل منه ثم يعلم أن كل ما تكلم به اللسان وتصوره القلب مما يقرب إلى الله من تعلم علم وتعليمه وأمر بمعروف ونهى عن منكر فهو من ذكر الله ولهذا من إشتغل بطلب العلم النافع بعد أداء الفرائض او جلس مجلسا يتفقه أو يفقه فيه الفقه الذى سماه الله ورسوله فقها فهذا أيضا من أفضل ذكر الله وعلى ذلك إذا تدبرت لم تجد بين الأولين في كلماتهم في أفضل الأعمال كبير إختلاف

وما أشتبه أمره على العبد فعليه بالإستخارة المشروعة فما ندم من إستخار الله تعالى وليكثر من ذلك ومن الدعاء فإنه مفتاح كل خير ولا يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لى وليتحر الأوقات الفاضلة كآخر الليل وأدبار الصلوات وعند الأذان ووقت نزول المطر ونحو ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت