محمد العبده 25/9/1423
كيف يكون المسلم فعالًا ؟ كيف يكون صاحب عطاء أكثر وإنتاج أكثر، إنتاج مادي ومعنوي ؟ ما العوامل التي تساعده على ذلك ؟ وما العوائق التي تضعف من عطائه؟
هذه الأسئلة تطرح نفسها على مستوى الفرد المجتمع، فقد يكون الإنسان ذكيًا أو صاحب شهادات علمية كبيرة ومع ذلك فهو لا يتمتع بالفعالية المطلوبة، لأن الثقافة التي تشرّبها لا تساعده على إنجاز كبير ، وتسبب له نوعًا من العطالة الفكرية أو العلمية.
فالفعالية هي: الإنتاج الجيد والاستمرار فيه ، كما جاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها أن أحب الأعمال إلى الله ما كان دائمًا وإن كان قليلًا .
والفعالية هي الموازنة بين ما نريده على المدى القريب وما نريده على المدى البعيد، ولابد هنا أن نفرق بين"الفعالية"وبين"الكفاءة"فقد يقود الإنسان سيارته بكفاءة عالية، ولكنه غير فعال إذا كان متجهًا الوجهة الخطأ.
كما أنه لا يعتبر فعالًا من يجد نفسه في شغل دائم، فقد يكون مشغولًا بأمور صغيرة، وقد ترك أمورًا كبيرة، وحاجات أساسية لم يتنبه لأهميتها، فالقاعدة التي تقول: ( أنا مشغول إذًا أنا فعّال ) غير صحيحة.
من أين تأتي الفعالية ؟
-إن أفضل النتائج المرجوة إنما تأتي من الارتكاز إلى مبادئ ثابتة، مبادئ لا تتغير ولا تتبدل بتبدل الزمان أو المكان، والمسلم يحمل أفضل المبادئ في اعتقاده وسلوكه، وهي ثوابت في داخل شخصيته، إنها مثل المنارة الثابتة التي تضيء الطريق للسالكين.
هذه المبادئ تعطي المسلم قوة في الشخصية وثقة في النفس، فخلق المسلم لا يسمح له بأن يصدق في مكان ويكذب في مكان آخر، ولا يعدل مع أشخاص ويظلم غيرهم، وهذه المبادئ تعطي المسلم رؤية واضحة حين تدلهم الأمور ويقع الناس في الحيرة، فيقف من القضايا المطروحة موقفًا واضحًا، يخفف عنه العناء الذي يساور الناس الآخرين. ولا يسمح للقضايا الشائكة أن تعيقه عن الاستمرار في عمله ودعوته.
2-الأهداف السامية وحمل (الرسالة) يفجر الطاقات ويضاعف الإنتاج، هذا ما حصل للمسلمين حين حفروا الخندق في مدة وجيزة، وهكذا فجر الإسلام الطاقات عند الصحابة حين يتحول فرد عادي مثل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى شخصية عظيمة من عظماء التاريخ. الهدف السامي يعطي الشخصية سعة في الأفق وانشراحًا في الصدر، أما الشخص الفارغ المملوء بالأنانية والشكوى والحزن، فحري به أن ألّا يكون فعالًا.
3-وضوح الهدف ومعرفة الأولويات
وضوح الهدف من بداية الطريق يُزيلُ كثيرًا من العراقيل، فالبوصلة هنا التي تحدد الاتجاه أهم من الساعة التي تضبط الوقت. ومن السيرة النبوية كان الرسول صلى الله عليه وسلم ينتقل بأصحابه من مرحلة إلى أخرى وهم عالمون بمتطلباتها وينفذون مقتضياتها . ومعرفة أولويات كل مرحلة يوفر الجهد والوقت ، هل ننفق الأموال على أعمال النوافل وزخرفة المساجد ؟ وأين توضع أولوية المدارس والعمل الخيري والإنفاق علىالدعوة ؟
هل نبدأ بالأمور الأساسية أم ننشغل بالجزئيات ؟ هل نضع كل جهودنا في الردود على المخالفين أم لتأصيل المنهج ونشر الدعوة بين عامة الناس ؟ هل ننشغل بالمشاكل الكبرى للأمة ومحاولة وضع الحلول لها؟
4-من أبرز الأشياء التي تساعد على الفعالية: إقامة التوازن الذي يحفظ الطاقات من أن تهدر أو تبدد عندما يتضخم جانب على آخر، هذا التوازن سماه الله سبحانه وتعالى (قوامًا) ( وكان بين ذلك قواما) وهو الوسطية والاعتدال، و به قيام الإنسان بالأعمال والواجبات على أحسن وجه، إنه توازن بين مطالب الروح ومطالب الجسد، بين الحاجات النفسية والحاجات الاجتماعية ، بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة، (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) بين المبادئ النظرية والممارسات العملية (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا) .
والتوازن بألا ننعى الأمس وما حدث فيه ، وننطوي على الحزن ، وفي الوقت نفسه لا نحلم بالغد في غير واقعية، ويأتي التوازن بين الرغبة في الحصول (من الموظف أو العامل) على أشياء جيدة وقوية مع الاحتفاظ بالعلاقة الإنسانية العاطفية التي تجعل الإنسان يقوم بالعمل طواعية.
إن الذي ينفق أمواله حتى آخر قرش سيقعد ملومًا محسورًا كما وصفه القرآن، وقد ذم الله المسرفين والمبذرين، وهكذا أمر الإسلام بالاعتدال في المأكل والمشرب والمسكن، وإن إتلاف الأصول المادية التي نستعملها ونحتاج إليها في حياتنا اليومية مما يصيب الإنسان بالارتباك المادي، فالسيارة التي نركبها والآلة التي نستعملها إذا لم نعتن بها ونصلحها ونجددها بين الحين والآخر، فإنها ستصل إلى مرحلة لا نستطيع الاستفادة منها، وستذهب بعض الأوقات هدرًا.
هل الذي يعمل إلى حد الإعياء، ولا يأخذ وقتًا لراحة، هل يمكن أن يكون فعالًا؟