د.عبدالله بن ناصر الصبيح * 8/4/1424
"الخطاب التربوي الوعظي"سواء كان في شريط أو كتيب، وسواء كان خطبة أو محاضرة؛ استفاد منه كثيرون فتعلموا منه بعض ما جهلوه من دين الله عز وجل، وقرب لهم ماخفي عليهم من علوم الإسلام وتاريخ الأمة، فجعلها ميسرة سهلة المأتى. ولكن يلاحظ على بعض المتحدثين أو الواعظين ملاحظتان:
الأولى: أنهم ضيقوا مساحة المباح في حديثهم، ووسعوا من دائرة المحظور فصار لا فعل يباح عندهم إلا بدليل.
والثانية: أنهم بالغوا في التحذير من المعصية، حتى أنساهم ذلك سعة رحمة الله عزوجل، وعظيم عفوه، وشفقته على عباده.
ومن مبالغة بعضهم في التحذير: أنه استجلب ما لا يصح من القصص والأخبار، وبحث عن الغرائب. والبحث عن الغرائب كما هو معروف مدعاة للكذب من حيث يشعر المرء أو لا يشعر.
ومن المبالغات أن بعضهم رتب على صغائر الذنوب فظائع العقوبات ردعا للعامة. وربما كان هذا مجديا مع البعض ولكنه ليس مجديا مع آخرين، وأهم من ذلك أنه مخالف لسنة الرسول - صلى الله عليه وسلم- الذي كان يضع الخطأ في حجمه الطبيعي.
و هذا الأسلوب الدائر بين الحظر والتخويف -فقط- نتج عنه أمور منها: أنه أعاد صياغة بعض أذهان الشباب بما لايتفق مع سماحة الإسلام وعفويته، فصار هُّم أحدهم التنقير عما يظنه من المحظورات، واستصدار فتاوى المفتين فيها منعا وتحريما، وربما كان ما منعه يقع في دائرة المباح. ولا شك أن هذا من الإفراط الذي يذمه الله ورسوله ، ومن حرم شيئا مما أباح الله عزوجل لعباده كان كمن أباح شيئا مما حرمه الله سبحانه.
وهذا الخلل لايقتصر على صاحبه، بل يتعداه إلى غيره في صورة فعل اجتماعي ينافي الصواب، وفي صورة صراع اجتماعي حول المباح والممنوع، وفي صورة خلل علمي ومعرفي يختزل الخلاف الفقهي، ويلغي المعتبر منه ويسيء الظن بمن أخذ به لأنه لم يتفق مع رأي الواعظ.
ومنها أن هذا الخطاب ربما نتج عنه سوء ظن البعض بدين الله عزوجل، حيث يرى أن الشريعة الطاهرة المبرأة من كل نقص عاجزة عن مستجدات الحياة، وعن تقديم حلول عملية لما يعانيه الناس من شؤون حياتهم.
ومنها أن بعض الشباب - لما ضيقت عليه سبل المباح وألجم بالخوف- نفر من دين الله سبحانه فبعضهم تذرع بالشك، وآخرون تلبسوا بالتمرد، وصاحب ذلك نفور من كل ذي دين. وما بهؤلاء النفرة من دين الله سبحانه، ولكنه الجهل في الخطاب الذي أودى بهم إلى هذا السبيل.
وقد تحدث معي بعض هؤلاء الشباب فاستمعت إلى حديثهم، وكنت أجد أحدهم ربما بكى من خشية الله، ولكن الخطاب الذي سد عليه المنافذ جعله يسلك غير الجادة، وينفر كالجمل الشرود لايلوي على شيء.
وبعض هؤلاء لما حدثته عن سعة رحمة الله، وشفقته بعباده حتى أولئك الذين عصوه، بعضهم دمعت عيناه واستعبر، وكان كمن يسمع ذلك أول مرة.
إننا بحاجة إلى أن نعيد صياغة خطابنا التربوي بما يتفق مع فطرة الإسلام فلا يكون خطابنا سببا في إيقاعهم في الحرج.
إن الله عزوجل خلق الإنسان ذا فطرة سليمة متوازنة، والأفكار التي نتلقاها تسهم في نضج الفطرة، أو في انحرافها وتشوهها. ومن مسؤوليات الخطاب التربوي المحافظة على الفطرة وإنضاجها، ولكن حينما يكون الخطاب نفسه مشوها قاصرا عن حقيقة الفطرة فإن نتيجته سوف تكون تشويها للفطرة. تأمل حديث الفطرة الذي يقول فيه الرسول -صلى الله عليه وسلم-:"كل مولود يولد على الفطرة وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، تأمل كيف كان خطاب الأبوين وتنشئتهما المنحرفة جعلت من المولود منحرفا في دينه، وكذلك الخطاب التربوي قد يحرف الناشيء عن الإسلام الصحيح.
إن من يتأمل السنة يعجب من الأعمال الكثيرة التي ورد النص عليها بأنها تكفر الخطايا والذنوب بالجملة، فالوضوء و أداء الصلاة في جماعة يكفر الذنوب،وأداء صلاة الجمعة يكفر ما بين الجمعتين وصيام يوم عرفة يكفر خطايا سنتين كاملتين وغير ذلك كثير. إن المعنى العظيم الذي تغرسه هذه النصوص في نفس المسلم هو أنه في كنف الله ورعايته وأنه مشمول برحمته ما أقبل عليه، حتى وإن عصاه عزوجل. والرسول -صلى الله عليه وسلم- قرب هذا المعنى لصحابته في صورة فريدة فقال لهم وقد رأى امرأة تحتضن ولدها وترضعه:"أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار ؟ قالوا: لا و الله! فقال:"لله أرحم بعباده من هذه بولدها". (رواه البخاري ومسلم) ."
إن الحديث عن عظمة الله ينشىء التقوى في القلب، وإذا تأملت سورة الإخلاص لاتجد فيها ذكرا لثواب أو عقاب وإنما تجد فيها عظمة الله سبحانه ووحدانيته واستغناءه عن خلقه. وهذا المعنى في سورة الفاتحة واضح جلي فهو عزوجل الرحمن الرحيم وهو رب العالمين، وهذا المعنى يتكرر على قلب المسلم وسمعه في كل ركعة من ركعات صلاته في اليوم والليلة.