فهرس الكتاب

الصفحة 21645 من 27345

ومع العناية بهذه المعاني العظيمة في الخطاب التربوي فإن مما ينبغي التنبه له ألا يكون خطابنا كالخطاب المسيحي لايتحدث إلا عن المحبة فقط ويغفل جانب العقوبة فالله سبحانه إنما يُعبد بالحب والخشية معا.

وهذا الخطاب المتوازن هو الذي ينشئ نفسا متوازنة مستقيمة الفطرة.

واستجابة الناس للخطاب التربوي تتباين فمنهم من يبعد ومنهم من يقرب، ومهمة الخطاب التربوي ألا يقيم العزلة مع من نفروا، ولا يدخل اليأس في قلوب من قصروا، بل يحتوي الجميع، ويشعرهم برحمة الله عزوجل، مستمرا في خطابهم مبلغا إياهم دين الله سبحانه.

وخطابنا التربوي المعاصر ربما كان قصير النفس، يجنح إلى التصنيف، ومفاصلة المخالفين، وإنزالهم منزلة الرافضين لأصل الخطاب المناوئين للتوحيد. وهذا من بذورالفشل الذاتية التي تعيق الخطاب وتحول بين القلوب وبينه.

في موقعة القادسية كان من ضمن جيش الفتح الإسلامي (أبو محجن) ، وماأدراك من أبو محجن! أبو محجن رجل حده عمر رضي الله عنه في الخمر في سنة واحدة سبع مرات كما يقول ابن كثير، ومع ذلك خرج مع جيش المسلمين ينصر الله ورسوله، فشرب الخمر في الجيش فسجنه سعد رضي الله عنه. ولما دارت المعركة وحمي وطيسها شعر أن المعركة تعنيه، وأن واجبه نصرة دين الله حتى وإن كان هذا الدين هو الذي سجنه، وقال متحسرا متشوقا للجهاد:

كفى حزنا أن تدحم الخيل بالقنا ... ...

و أُترك مشدودا عليّ وثاقيا

إذا قمت عناني الحدي وأغلقت ... ...

مصارع من دوني تصم المناديا

ودعا أبو محجن زوجة سعد، وسألها أن تُطْلِقَهُ وتعيره فرس سعد، وحلف لها إن سلمه الله أن يرجع في آخر النهار ويضع رجله في القيد، ففعلت وخرج وقاتل قتالا شديدا ثم رجع في آخر النهار، ووضع رجله في القيد كما وعد رضي الله عنه وأرضاه، ولما علم سعد أطلقه وما حده، وقال له اذهب، فقال أبو محجن: والله لا أشربها أبدا.

وفي رواية أوردها الطبري أن أبا محجن ماشرب الخمر بعد إسلامه قط، ولكنه كان صاحب شراب في الجاهلية، وهو شاعر ربما تغنى بالخمر ولذلك حبسه سعد، ومن شعره في الخمر قوله:

إذا مت فادفني إلى أصل كرمة ... ...

تروي عظامي بعد موتي عروقُها

ولا تدفنني بالفلاة فإنني ... ...

أخاف إذا ما مت ألا أذوقها

أبو محجن هو أحد الذين تأثروا بالخطاب التربوي في عصر الصحابة، بل هو أحد مخرجاته، وقد قررنا من قبل أن مخرجات الخطاب لابد أن تتفاوت. ومع أن أبا محجن كان مغرما بالخمر لايصبر عنها وجلد بسببها عدة مرات أو أنه تغنى بها في شعره إلا أنه لم يتخل عن الانتماء لهذا الدين فنصره بنفسه وماله. والخطاب التربوي لم يقس عليه فيقصيه، بل أفسح له المجال للجهاد وهو على ماهوعليه من شرب الخمر أو التغني بها.

ومن يعيش في أجواء خطابنا التربوي المعاصر لا يفتأ من العجب من أبي محجن الذي لم تلحقه حمية الجاهلية والانتصار للنفس، فيحارب هذا الدين الذي جلده عدة مرات أو سجنه على التغني بالخمر، ولا يفتأ من العجب من المجتمع المسلم الذي لم يناصب أبا محجن العداء فيقصيه كجمل أجرب بل رضي بمصاحبته إلى الجهاد وما رأينا مستنكرا لذلك، ولا يفتأ من العجب من الخطاب التربوي الراشد الذي ما شحن نفوس الناس على أمثال أبي محجن، بل كان يعلم الناس أن الحدود كفارة للذنوب.

إن كثيرين في عصرنا بأثر من خطابنا التربوي ربما ضاق بمن اختلف معه، فلا يشترك معه في عمل ينصر الدين، وكي يكون للخلاف مسوغا تجده يسبغ على المخالف أسماء من التصنيف، إما تصم المخالف بالبدعة والضلالة أو بالكفر أو بالجهل والقصور عن المسؤولية.

إن الخطاب التربوي الراشد ينبغي أن يستوعب كل من نطق بالشهادتين ويقربهم من دين الله عزوجل بدلا من تنفيرهم منه.

*أستاذ علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت