ستة حقوق لأخيك ثمارها الجنة.. أولها السلام
الجفاف الأخوي!
ياسر بن محمد اليحيى
شأن النبات في الحقول والبساتين أن ينمو بين بعضه وتزيد نضارته عندما يكون بين نباتات أخرى، ويتشابك تشابكًا يصعب تفكيكه، ويتسلق على سيقان بعضه، وتتعانق أوراقه وبراعمه، وتتطاول أغصانه، وإن هبت نسمة هواء تمايلت الأشجار كلها، وتعجب كيف هزت نسمة أشجار الغابة، ولم تهتز نباتات متشابكة متماسكة لكنه التعاون والمشاركة، بل الأمر فوق ذلك، عندما تتضافر النباتات في رسم صورة للحقل أو البستان آسرة، تتناغم فيها الألوان وتتدرج وتنتظم الأغصان بطول متقارب وصفوف مرصوصة، حتى الأوراق لا تكون متباينة الأحجام، لدرجة أن مرهف الإحساس قد يتمادى فيظن أن الأشجار تتعاون لتهيئ جوًا مريحًا للبلابل كي تبدع التغريد فتطربها.
والأمر في الأخوة شبيه بهذا الأمر كثير الشبه، فالأخ يستمد طاقته من إخوانه، وتزداد فاعليته حينما يكون بينهم أو عندما يشعر أنهم يشعرون به، وتتشابك الأخوة وتتعاضد حتى يصعب الافتراق، بل يصعب تخيله وإن بعد الموت، ألم يبدع القائل:
كتبت العهد على جدران الزمن
فإن التقينا عشنا معًا
وإن متنا تقاسمنا الكفن!
فهذا الذي كتب العهد على جدران الزمن لم يقو على تخيل الفراق في الحياة أو بعدها، لأن الأخوة التي عناها توجب التداخل النفسي والشعوري للأخوين، بحيث يحققان شرط الرافعي يوم قال:"لن يكون أحد أخا أحد حتى يقول له: يا أنا"!.
وما سطره رسول الله ص من واجبات وحقوق، إنما كان دستورًا تطبيقيًا ينشئ العلاقة بين الإخوة ويثبتها ويطورها.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ص قال:"حق المسلم على المسلم ست، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاصحبه" (حديث صحيح، رواه الإمام أحمد بن حنبل) .
وهو نهر يشق حدائق الأخوة الجافة لتهتز وتربو، من جديد.
وهو حث لأشجار الأخوة أن تتنادى إلى نوع من التعاون فريد.
وهو تقليم لبعض الأغصان الشاذة الناتئة الخارجة عن الصف.
وهي لمسة قائد يعرف كيف وأين يضع يده بل ومتى..
حق المسلم على المسلم:
فهو حق لك على أخيك.. فليس له أن يمنعك إياه.. وهو حق له عليك أيضًا.. هذا حقك أيها المسلم قم واسأل عنه وخذه، ليس بالقوة ولكن بإعطائك الآخرين حقوقهم التي عليك.. وأول هذه الحقوق، وهو مجال حديثنا فقط في هذا المقال:
إذا لقيته سلم عليه:
وحين تلتقي العينان يكون بينهما سيل من الشحنات الشعورية التي تتسلل إلى مداخل الأرواح وخصوصياتها، فإلقاؤك السلام على أخيك بمثابة إعطائه إذنًا ببث مشاعره إلى دخيلة نفسك، فكأنك تفتح له أبواب قلبك وتقول له: تعال وادخل، وهذه تضحية تحسب لك يوم أشركت غيرك في خصوصيتك، غير أنك لن تخسر أبدًا، فيوم بذلت هذه التضحية كنت أقرب إلى الله منك يوم سبقت بإلقاء السلام وهذا المعنى يفهمه الطفل فضلًا عن الراشد، من صريح حديث المصطفى ص الذي رواه الترمذي عن أبي أمامة رضي الله عنه قال:"قيل يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال أولاهما بالله". (قال الترمذي: حديث حسن، وقد روى هذا الحديث أحمد وأبو داود أيضًا) .
وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي:"أولاهما بالله"أي أقرب المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام، فليكن سباقك إلى رحمة الله بأن تلقي السلام أولًا، لتصل قبل أخيك إلى رحمة الله، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، (وغني عن البيان أن نقول: إن المسابقة بإلقاء السلام تكون عند تساوي الحق في بداية السلام، ولا تكون عند كون السلام مطلوبًا من أحد دون آخر، كأن يكون أحدهمًا جالسًا والآخر ماشيًا حيث يكون السلام مطلوبًا على الماشي لا القاعد وهكذا) .
ثم أنت لن تخسر مرة أخرى يوم تربح أخاك وتضعه في قلبك، بل ربحك عظيم يوم تحرك لسانك فقط فتربح أخًا يسندك يوم تبحث عن سند، ويسعدك يوم مسعد، ويشاركك أفراحك، بل ويكون سببًا في نعيمك الأبدي يوم تدخل الجنة، وإفشاء السلام طريق دخول الجنة!. قال رسول الله ص:"لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم".
وبمراعاة حقوق الأخوة وأولها إفشاء السلام يسعد الإخوة بإخوتهم.. ويقضون معًا على الجفاف الأخوي، ويضربون المثل للناس في الحب في الله والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.=>