فهرس الكتاب

الصفحة 13698 من 27345

قال العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتاب"أعلام الموقعين":

فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد، قال: وهذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه مما يعلم أن الشريعة الباهرة لا تأتي به لأن الشريعة مبناها عل الحكمة والمصلحة للعباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها .. إلخ.

وأقول: لقد سمعنا من بعض المنتسبين إلى العلم بأنهم يبدون إنكارهم لهذه القاعدة ويعارضونها بالتفنيد وعدم التسديد لزعمهم أنها مخالفة لنصوص الدين وأصوله التي لا تتغير و لا تتبدل بتغير الزمان والمكان والأحوال، فهذا مثار الإشكال الذي حصل بسببه الإنكار.

وخفي على هؤلاء بأن العلامة ابن القيم ، لم يقل بجواز تغير الدين وقواعده وعقائده ، وإنما يتكلم بتغير الفتوى في فروع العبادات التي حقق العلماء بأن للاجتهاد فيها مجالا ولم يقل بهذا إلا وعنده مستند صحيح من النصوص والأصول تثبت صحة ما يقول » ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم « والاستنباط هو استشارة ما عسى أن يكون خفيًا على بعض الأذهان وحيث يبرزه باستنباطه إلى العيان ، ومما يدل على تغير الفتوى وتغير الزمان والمكان والأحوال ما روى الإمام أحمد وأبو داود والدار قطني عن عمرو بن العاص ، أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال: فاحتلمت في ليلة باردة شديدة البرد ، فأشفقت إن إغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح ، فلما قدمنا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذكروا ذلك له فقال: يا عمرو: صليت بأصحابك وأنت جنب . قلت: نعم يا رسول الله ، ذكرت قول الله تعالي: » ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما « فتيممت وصليت. فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ولم يقل شيئا، فدل هذا الحديث على أن سكوت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإنكار عليه هو حقيقة في الإقرار على فعله وهذه مما تتغير به الفتوى بتغير الزمان والمكان والأحوال . إذ الأصل لواجد الماء أن يمسه بشرته ، لقول الله تعالي: » وإن كنتم جنبا فاطهروا « ، وفي الحديث » الصعيد وضوء المسلم إذا لم يجد الماء، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته « .

ومثله ما روى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة عن سعيد بن سعد بن عبادة قال: كان في أبياتنا رويجل ضعيف فخبث بأمة من إمائهم ، فذكر ذلك سعد لرسول الله ، فقال: » إضربوه حده « ، فقال سعد: إنه أضعف من ذلك . فقال: » خذوا عشكالا فيه مائة شمراخ فاضربوه به ضربة واحدة ففعلوا « . ذكره ابن حجر في بلوغ المرام من أصول الأحكام ، فقد عرفت كيف تغيرت فتوى رسول الله من حالة الشدة إلى حالة التسهيل لتغير حالة هذا الشخص ، إذ الأصل في الجلد في الحد أن يفرق على جسده ضربة ضربة موجعة ، ونظرا لضعف حاله جعله رسول الله ضربة واحدة وبعشكول فيه مائة شمراخ ، فماذا ترى يقول المعترض على هذه الفتوى.

ومن ذلك ما روى البخاري ومسلم وأهل السنن قال: جاء رجل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: » هلكت؟ قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على إمرأتي في رمضان ، قال: أ هل تجد ما تعتق به رقبة ؟ قال: لا ، قال: وهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ قال: لا . قال: وهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا ثم جلس فأتى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعرق فيه تمر، فقال: إذهب فتصدق به . فقال: أ فعلى أفقر منا، فوالله ما بين لا بيتها أهل بيت أحوج منا، فضحك رسول الله حتى بدت نواجذه ، ثم قال: إذهب فاطعمه أهلك « .

فهذه فتوى رسول الله وقد عرفت كيف تغيرت من حالة الشدة التي هي الأصل في التكفير إلى حالة التسهيل والتيسير حيث تحمل عنه رسول الله أعباء التكفير بالإطعام ثم تصدق به عليه وعلى أهله والدين هو الدين لا يتغير بتغير الأحوال ، وإنما الافتاء في مثل هذه المسائل الفروعية يتغير من حالة إلى حالة .

ومثله فتوى الصحابة للحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما أو على ولديهما بأن يفطرا ويقضيا بدله ، وقد صدرت هذه الفتوى عن اجتهاد منهم بدون أن يوجد فيها نص عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذه الفتوى مما تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال ، إذ الأصل أن الصوم يجب على كل مسلمة بالغة عاقلة ليست بمريضة ولا مسافرة و لا حائض ولا طاعنة في السن. فالمرأة الحامل القوية الصحيحة الجسم لا يقبل منها دعوى الخوف على نفسها نم الصيام ، لأن نساء المسلمين والحوامل والمراضع في سائر الأزمان والأقطار من بدو وحاضرة ، يصمن رمضان شتاء وصيفا ولا يتأثرن من الصيام فلا يجوز عن تفتى بالفطر والحالة هذه كل امرأة .

أما المرأة الضعيفة النحيفة التي تعلم أن الصوم يشق عليها فوق المشقة المعتادة وتخاف على نفسها ، فإنه يجوز أن تفتى بالفطر ولكل سؤال جواب ولكل مقام مقال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت