وقد استدل العلامة ابن القيم ـ رحمه الله ـ هذه القاعدة بإسقاط عمر حد السكر عن أبي محجن بسبب ما أبلى به من قتال الكفار ، ورأي أن جريمته بمثابة نقطة النجاسة غمرها الماء الكثير فغسلها ، لأن الحسنات يذهبن السيئات .
واستدل لهذه القاعدة أيضا بإسقاط عمر حد القطع في السرقة زمن المجاعة ولم يخالفه في ذلك أحد من الصحابة ، ولهذا يعد من باب تعارض المانع للمقتضي ، وكون المشقة تجلب التيسير.
وإذا اتسعت علوم الشخص وأعطى فهما لصحة الاستدلال والاستنباط فإنه يتسع رحبه لتقبل مثل هذه القاعدة ويعلم بطريق اليقين أن لها أصلا من السنة ترد إليه وتقاس عليه . أما من نقص علمه وتحجر رأيه وجمد فهمه ، فإنه يضيق ذرعه بكل ما يخالف رأيه وينكر كل ما لم يحط بعلمه وذلك لا يغنيه من الحق شيئا.
ذلك بأنني لما أفتيت بجواز رمي الجمار قبل الزوال في أيام التشريق حينما رأيت الناس من مشارق الأرض ومغاربها قد قوضوا إلى الحج من كل فج فأقبلوا إليه يجترون وفي كل زمان يزيدون ، فعظم الجمع واشتد الزحام وضاق ذرع الأمة بهذا المقام وصاروا يحصون وفيات الزحام في كال عام ، لأن الجمع كثير وحجم المرمى صغير وزمن الرمي قصير ، لأن الفقهاء المتقدمين قد حددوا وقت الرمي بما بين الزوال إلى الغروب ، وأنه لو رمى قبل الزوال أو بالليل لم يجزه ، لهذا ظن من ظن أن هذا حكم عام في جميع الأحوال والأزمان ، وأنه لن تتغير الفتوى فيه بحال وصار هذا الفهم هو العامل الأكبر في حصول الضرر وتوسيع دائرة الخطر ولو فكروا بإمعان ونظر لوجدوا في الشريعة السمحة طريق المخرج عن هذا الحرج فرحم الله العلامة ابن القيم وعفا عنه ونفعنا وإخواننا المسلمين بعلومه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.