فهرس الكتاب

الصفحة 716 من 27345

أخا الصدق والوفاء حبيبا د. عبد الحي يوسف*

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

أننا في زمان أكثر الناس فيه من الحديث عن أموات وأحياء، هم بميزان الشرع ليسوا أهلًا لأن ينوَّه بذكرهم ولا أن يقتدى بهم، فحريٌ بنا أن نتحدث عمن كان لله تقيًا، وبأهل العلم حفيًا، وعمن ورث المكارم كابرًا عن كابر، نحسبه

فقد كان من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم أن يثني على من توفاه الله من أصحابه بما يعلم عنهم من خير وبر؛ فقال عن عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعدما دفنه ووضع على قبره حجرًا (علامة أعرف بها قبر أخي، وأدفن إليه من مات من أهلي) وقال عن سعد بن معاذ رضي الله عنه (لقد اهتز عرش الرحمن لموته) وقال عن صاحبه جليبيب رضي الله عنه (قتل سبعة ثم قتلوه؛ هذا مني وأنا منه) وقال عن زوجه خديجة رضي الله عنها (والله ما أبدلني الله خيرًا منها؛ لقد صدَّقتني إذ كذَّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد إذ حرمني أولاد النساء) وجريًا على هذه السنة النبوية فإنني أكتب اليوم عن صاحبي وأخي وحبيبي في الله تعالى/ محمد الحبيب أحمد الطيب الذي وافته المنية صبيحة الأربعاء الثاني والعشرين من صفر عام سبع وعشرين وأربعمائة وألف، بعدما ترك سيرة عطرة، وذكرًا حسنًا، وعملًا بارًا، نحسبه كذلك ولا أزكيه على الله، وإنما أكتب عن الحبيب:

أولًا: وفاءً ببعض حقه عليَّ بعدما تتابع إحسانه وعمَّ بره وتواتر خيره، فكان ـ رحمه الله ـ آية من آيات الله في صدق الأخوة وطيب المعاشرة

وثانيًا: شحذًا لهمتي وهمة إخواني في الاقتداء بهذا البرِّ الكريم في حَسَن صفاته وكريم خصاله وطيِّب أفعاله

وثالثًا: توثيقًا لتلك المآثر التي تُروى عنه، والتي رأيت كثيرًا منها رأي العين، وعاصرت صاحبها ـ عن قرب ـ بضعة عشر عامًا

ولو أردت أن أعدد مناقب الحبيب ما وسعتني مقالة ولا مقالات، لكنني أنبه على بعضها؛ (ليزداد الذين آمنوا إيمانًا) ، وليعلم الناس أن في الأمة أخيارًا وأبرارًا وأطهارًا، وأن الخير لم ينقطع بعد

ورابعًا: تعزية للآل والأصحاب والإخوان ممن آلمهم فراقه، وشق عليهم موته؛ فلم تجفَّ منهم المآقي بعدُ، ولا كفت العبرات، ولولا عزاؤهم بموت محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأخيار من هذه الأمة من قبلُ؛ لعظُم جزعُهم وقلَّ صبرُهم، ولكن كما قال الأول:

اصبر لكل مصيبة وتجلَّدِ ** واعلم بأن المرء غير مخلد

وإذا ذكرتَ محمدًا ومصابَه ** فاذكُر مصابك بالنبي محمد

وخامسًا: إحياء لشرعة محمد صلى الله عليه وسلم في تخليد مآثر الطيبين والحديث عن أخلاق الصالحين، وقد أنزل الله عليه في القرآن (وضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتًا في الجنة) وأنزل عليه (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) وأنزل عليه (وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه) إلى غير ذلك من آيات كثيرة نوَّهت بذكرهم، ورفعت من قدرهم

وسادسًا: لأننا في زمان أكثر الناس فيه من الحديث عن أموات وأحياء، هم بميزان الشرع ليسوا أهلًا لأن ينوَّه بذكرهم ولا أن يقتدى بهم، فحريٌ بنا أن نتحدث عمن كان لله تقيًا، وبأهل العلم حفيًا، وعمن ورث المكارم كابرًا عن كابر، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله تعالى.

الحبيب آية من آيات الله في البذل وحب المساكين، لا يكل ولا يمل، يقف أهل الحاجات بباب مكتبه وباب منزله، ويتربصون به حال خروجه من المسجد، ويلحُّون عليه فما غيَّر ذلك من خلقه شيئًا

لا أتحدث عن الحبيب غلوًا فيه ـ معاذ الله ـ ولا مجاملة له أو مبالغة في مدحه، وقد عاد مرتهنًا بعمله في قبره، بعدما فارق دنيانا فاستراح من نصبها وكدها (وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) وإنما أتحدث عنه حديث من عرفه عن قرب بعد أن ألَّف الله بين قلبينا، وواءم بين روحينا، (لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) فلله كم جمعتنا مجالسُ وخلوات، ولله كم ضمَّنا ثرى مزدلفة وعرفات، ولله كم كنا معًا في سفر وحضر، وصحة وسقم، وعسر ويسر، وفي تلك المواطن كلها كان الحبيب حبيبًا لم تؤثر فيه السنون، ولم يطغه المال، أو تبدِّله الأيام: قرة عين، وطيب نفس، وطمأنينة قلب، وحسن خلق، وكرم أصل، بل كان الحبيب عطاءً وفيضًا، إيمانًا وشكرًا، صلاة وذكرًا، قرآنًا وبرًا، حنانًا وعطفًا، بل ـ والله ـ كنت في كل يوم أزداد يقينًا بأن الحبيب ليس إلا أخًا لي لم تلده أمي؛ لما وجدت من نصحه لي وحرصه عليَّ ورغبته في نفعي، وأرى فيه صورة تقرِّب إلى ذهني ما كان بين المهاجرين والأنصار من أخوة في الله وإيثار على النفس، وإن كان الحبيب ـ في حاله معي ـ هو الأنصاريُ والمهاجريُ معًا، قدس الله روح الحبيب، ونوَّر الله قبر الحبيب، وجبر الله مصابنا في الحبيب (وإن في الله تعالى عوضًا من كل تالف، وخلفًا من كل هالك)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت