فهرس الكتاب

الصفحة 717 من 27345

ولو أردت أن أعدد مناقب الحبيب ما وسعتني مقالة ولا مقالات، لكنني أنبه على بعضها؛ (ليزداد الذين آمنوا إيمانًا) ، وليعلم الناس أن في الأمة أخيارًا وأبرارًا وأطهارًا، وأن الخير لم ينقطع بعد والحمد لله، بل أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخيرات زاخرة، وبالمبرات عامرة:

أولًا: قال علماؤنا: البركة هي الخير والنماء والكثرة، وقد كنت ألمس ذلك في شخص الحبيب؛ حيث كان رحمه الله يدير تجارة ضخمة، تستلزم سفرًا كثيرًا وسعيًا حثيثًا وعملًا دؤوبًا، ومع ذلك تجده في المسجد مع الجماعة، وفي حلقة القرآن مع التالين، وفي مجلس العلم مع المتذاكرين، وفي المستشفى مع العائدين، وفي الجنائز مع المشيِّعين، فإن فاته ذلك لم تفقده في بيت العزاء مع المواسين، وفي الأعراس مع المهنئين، مع ممارسة للرياضة، وضرب في مناكب الأرض، وقضاء لمصالح الناس، وصلة للأرحام، وإحسان للجيران، ولا أجد لذلك تفسيرًا سوى أنها البركة التي يختص الله بها من شاء من عباده

ثانيًا: كان رحمه الله من العُبَّاد؛ فما فاتته الصلاة مع الجماعة قط، لا أقول مطلق الجماعة بل جماعة المسجد، حتى في مرضه العضال لما أُقعد عن الحركة، بلغ من علو همته وصدق عزيمته وحسن استعداده للقاء ربه، أن أقام في بيته وفي المسجد طريقًا زَلَقًا يستطيع أن يسير عليه بدراجته؛ لئلا يفوته فضل الجماعة، ولما أكثر الناس من لومه وطلبوا منه أن يصلي في بيته اشتد إباؤه، وكان ـ رحمه الله ـ يمكث في المسجد بين العشاءين؛ تخفيفًا للمشقة وطلبًا للثواب، كما كان صوامًا لا يخل بصيام الاثنين والخميس إلا لمرض أو سفر، حريصًا على نافلة الحج والعمرة ـ خاصة في رمضان ـ وله من الليل نصيب، وقد رأيت ذلك منه في بعض أسفاري معه؛ فلله دره من عابد.

ثالثًا: الحبيب آية من آيات الله في البذل وحب المساكين، لا يكل ولا يمل، يقف أهل الحاجات بباب مكتبه وباب منزله، ويتربصون به حال خروجه من المسجد، ويلحُّون عليه فما غيَّر ذلك من خلقه شيئًا، وكان رحمه الله يحرص على أن يحصي زكاته بنفسه، ويوزِّع بعضها أو أكثرها بنفسه، ولا يعلم بابًا من أبواب الخير إلا حرص على أن يضرب فيه بحظ وافر، ويلوم إخوانه إذا سعوا في باب من أبواب الخير ولم يخبروه، وكأني به ممن عناهم ابن القيم رحمه الله حين قال (( احرص على أن تضرب مع أهل كل عبودية بسهم ) )وقد شاد رحمه الله من المساجد الكثير الذي لا نعلمه ـ الله يعلمه ـ وطرق أبوابًا من الخير حرص على أن تكون سرًا بينه وبين الله تعالى، حتى إن إخوانه وخاصة أهله ما كان لهم بها علم، ولما كنا في عزائه رحمه الله جاء ناس يقولون: إن حبيبًا بنى لنا مسجدًا في الحتانة، وآخرون يقولون: بنى لنا مسجدًا بمحلة كذا، وناس من جامعة الخرطوم يقولون: بنى مركزًا للنساء والتوليد بسوبا، وهذه ـ إن شاء الله ـ علامة الإخلاص ودليل الرقي العبادي الذي يستوجب به الحبيب ـ إن شاء الله ـ ظل عرش ربنا جل جلاله يوم لا ظل إلا ظله (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) ولما كنا على شفير قبره جاء رجل يعزيني باكيًا وقد سالت دموع عينيه على خديه قائلًا: أنا مريض بسرطان الصدر، وقد كان هذا الرجل ـ رحمه الله ـ يتعاهدني، فعظَّم الله أجر حبيب وأجزل له المثوبة، وأحسن إليه كما أحسن إلى عباده

رابعًا: كان الحبيب مثال وسطية الإسلام حقًا، فهو ناجح في عمله، بارٌّ بأهله، وصول لرحمه، محسن إلى إخوانه، محافظ على شعائر دينه، مكثر من الذكر والحج والعمرة، عامر لبيوت الله، يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، وفي الوقت نفسه لا ينسى نصيبه من الدنيا، فهو حسن الهندام طيب الرائحة أنيق المركب والمسكن، يدير أعماله بكفاءة نادرة، وقد أحاط نفسه بخيرة من يعينه على بلوغ الكمالات، يحرص على أن يصحب زوجه وعياله في أسفار يروِّح بها عن نفسه وعنهم، يحب الطعام الجيد والعيش الهنيء، في عفة طُعمة وطيب كسب.

كان الحبيب مثال وسطية الإسلام حقًا، فهو ناجح في عمله، بارٌّ بأهله، وصول لرحمه، محسن إلى إخوانه، محافظ على شعائر دينه، مكثر من الذكر والحج والعمرة، عامر لبيوت الله، يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة، وفي الوقت نفسه لا ينسى نصيبه من الدنيا، فهو حسن الهندام طيب الرائحة أنيق المركب والمسكن، يدير أعماله بكفاءة نادرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت