فهرس الكتاب

الصفحة 6706 من 27345

الحقيقة...!

رئيسي:المنهج:الثلاثاء 23 ذي القعدة 1425هـ - 4 يناير 2005 م

تخيل وليدًا عمرُه شهرٌ واحد، قضى اللهُ أن لا يعيشَ سوى هذا الشهرَ فقبضَهُ ديانُ يومُ الدين، وقبرَ مع المقبورين، وبينما هم في قبورِهم: إذ نفخَ في الصور، وبُعثرَتِ القبور، وخرج المقبور، وكان فيمن خرجَ ذلكم الصبيُ ذو الشهرِ الواحد، حافيًا عاريا أبهمَ، نظر فإذا الناسُ حفاةٌ عراةٌ كالفراشِ المبثوث.

الشمسُ كورت ومن رؤوسِ الخلائقِ أدنيت .. الصحفُ نشرت، والموازينُ نصبت، والكتبُ تطايرت، وشهدَ الأعضاءُ والجوارح، وبدت السوءاتُ والفضائح، وابتليت هنالك السرائرُ، وانكشفَ المخفيُ في الضمائر.

هنا.. تخيل ذلك الوليدُ صاحبَ الشهرِ الواحد، ما اقترفَ ذنبًا، وما ارتكبَ جُرمًا، والأهوالُ محدقةٌ به من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، تخيلهُ مذعورًا قلبُه، اشتعل رأسُه شيبًا في الحال لهولِ ما يرى، فيا لله لذلك الموقف.

هذا بلا ذنبُ يخاف مصيره كيف المصرُ على الذنوبِ دهورُ

قال عز وجل:فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا [17] } [سورة المزمل] .

ما النجاة وما المخرج؟

في هذه الأهوالِ التي تبيضُ منها مفارقُ الولدانِ، النجاة والمخرج في أمرٍ لا يصلحُ قلبٌ، ولا تستقيمُ نفسٌ ولا تسعدُ إلا به، إنه وصية الله للأولين والآخرين:...وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ... [131] } [سورة النساء] .

تقوى اللهِ وكفى..وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [61] } [سورة الزمر] . ويقول: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [71] ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا [72] } [سورة مريم] .

أيُّ تقوىً تُنجي بين يدي الله؟

أهي كلمةٌ تنتقى وتدبج في مقال؟ أم هي شعارٌ يرفعُ بلا رصيدٍ من واقع؟ كلا ما كلُ منتسبٍ للقولِ قوالُ:

ولو أن أسباب العفاف بلا تقى نفعت لقد نفعت إذًا إبليسُ

فهو القائل:...إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [16] } [سورة الحشر] .

لا ينجي في تلك الأهوالِ إلا حقيقةٌ التقوى.. فما حقيقةُ تلك الكلمة؟

إنها استشعارِ رقابةِ اللهِ على حياتِك حتى كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، وتلك أعلى مراتب الإيمان وهي مرتبة الإحسان.. بل هي هيمنةُ الدينِ على الحياة كلها عقيدةً وشريعة، عبادة ومعاملة، خُلقًا ونظامًا، رابطة وأخوة.. هيمنَةً-كما أرادها الله- تجعلُ الحياةَ خاضعة في عقيدة المسلم وتصوره لله، لا يند منها شيء.

هيمنةُ تُسلم النفسَ كلَها لله، حتى تكون أفكارًا ومشاعر وأحاسيسَ وسلوكًا، محكومةً بوحي الله فلا تخضع لغير سلطانه، ولا تحكم بغير قرأنه، ولا تتبعُ غير رسولِه، لا يحركُها إلا دينُ الله، تأتمرُ بأمر الله، وتنتهي عن نهيه، متجردةً من ذاتها، متعلقةً بربها .

فهِم هذا أصحابُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فترجموه في واقعِ سلوكُهم، صِرتَ ترى شرع الله يدبُ على الأرضِ في صورةِ أناسٍ يأكلون الطعام ويمشونَ في الأسواق.

إذا ما دعو للهدى هرولوا وإن تدعهم للهوى قرفصوا

نفوس لا يحركها إلا دينُ الله.. إنهم لم يقفوا عند امتثال أمره واجتناب نهيه، بل تابعوا أفعال المصطفى صلى الله عليه وسلم، ولاحظوا تصرفاته بكل شوق وحرص على الإقتداء حتى إذا ما فعل شيئًا سارعوا إلى فعله مباشرة؛ لأنهم يعلمون أن سنته سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.. ثبت عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا...رواه أبوداود والدارمي وأحمد. توحيد في الإتباع:

فمن قلد الآراء ضل عن الهدى ومن قلد المعصوم في الدين يهتدي

بل كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

[ِأنَ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالْأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنْ الشَّيْطَانِ ] يَنْزِلْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْبٌ لَعَمَّهُمْ.رواه أبوداود وأحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت