ومن ذلك يتجلى لنا مظهرُ أفرادِ المجتمعِ المسلم في ظلِ إدراكهمُ الصحيحُ لمفهوم الإسلام، فليستِ المسألةُ عندَهم فرائضَ يفرِضها هذا الدين على الناس بلا موجبٍ إلا رغبةُ التحكمِ في العباد. بل هيَ وضعُ للإنسانِ في وضعه الصحيح كإنسان يستشعر رقابة المولى، وتلك هي حقيقةُ التقوى.
هل هؤلأ استشعروا رقابةَ الله؟
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يشهدُ أن لا إله إلا الله، ويصبح مجتهدًا في مطعمِ حرام، وملبس حرام، وغذاءِ حرام؟ يصبحُ وقد ضربَ هذا، وشتمَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفك دم هذا، ووقعَ في عرضِ ذاكَ؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يجلبُ النار ليحرقَ بيتَه وأهله، من يُخربَ بيتَه بيده بوسائلَ لا تزال تُمطره بوابلٍ من أغانٍ وأفلام ماجنة، وقصص سافلة، وترويض للنفوسِ على الكذبِ والنفاقِ وقلب الحقائق؟ ألم يستشعرَ أنه لو مات على حالته تلك؛ مات خائنًا لأمانته. حاملًا يوم القيامة وزرَه ووزرَ أبنائه وأهله من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا. ولا يعفيك من حساب الله، ولا من لوم الناس، ولا تأنيبَ الضمير أن تقول: أنا ضحية، وما البديل؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من يتعبدُ بأعمالٍ ليس عليها أمرُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وحجته ازديادُ الخيرِ، وحبُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم...فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [63] } [سورة النور] .؟!
هل استشعرَ رقابةَ الله: من ليلُه سهرٌ على ما حرم الله، ويصبحُ مجاهرًا بمعصيةِ؟
حقيقة التقوى:
لجوء إلى الله، وتعرفُ إليه في الشدةِ والرخاء لا على سواه..عرافًا كانَ أو ساحرًا، أو كاهنًا أو مقبورًا.
حقيقة كلمة التقوى..أن تكون كراكب على ظهرِ خشبةٍ في عرضِ البحرِ: تتقاذفُك الأمواجُ وأنت تدعو: يا رب يا ربِ لعل اللهَ أن ينجيك.
حقيقة الكلمة..أن لا تنطقَ بكلمةٍ، ولا تتحرك حركةٍ، ولا تسكنَ سكونًا إلا وقد أعددتَ لهُ جوابًا بين يدي الله، فإنك مسؤولٌ فأعدَ للسؤالِ جوابًا صوابًا.
حقيقة الكلمة..حذرك أن يأخُذَك الله وأنت على غفلةٍ، أن لا يحضرَ حقٌ لله إلا وأنت متهيأ له، أن لا تكونَ عدوًا لإبليسَ في العلانيةِ صديقًا له في السر.
حقيقة الكلمة..استشعار قدرَةِ الله: خصوصًا عند إرادةِ الظلم لعبادِ الله،، يحسبُ المرء أنه يُعجزُ اللهَ فيلهو ويملئ الأرض ظلمًا. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي [اعلم أَبَا مَسْعُودٍ] فَلَمْ أَفْهَمْ الصَّوْتَ مِنْ الْغَضَبِ فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ [عْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ] فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي فَقَالَ [عْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ] فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقَالَ [أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ] رواه مسلم.
حقيقة الكلمة.. نصرة ونجدة المظلومين:وإنصافهم عند القدرة من الظالمين، ومن نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الآخرة، وليس من شأن المسلم المتقي الله حقًا أن يدع أخاه فريسة في يد من يظلمه، أو يذله وهو قادر على أن ينصره..
ثبت عَنْ جَابِرٍ قَالَ لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ قَال [أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ] قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا قَالَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَتْ صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ]رواه ابن ماجة....وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ... [72] } [سورة الأنفال] .
كم يستغيث بنا المستضعفون وهم قتلى وأسرى، فما يهتز إنسان! والعالم اليوم شاهد بهذا، فالمُستذَل الحر، والمُزدرَى عالي الذرى، والأوضع الأشرف.