جمال المعاند -إسبانيا
-الخطاب النبوي كثير العيون ، سلس المتون ، ألفاظه نور لا يزيدها تقادم العهد إلا تألقا ، ومعانيه جني ينثر كما تنثر أزهار الربيع ، والحديث عن جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم يحتاج لمطولات كي تفي أبعاض معانيه .
-وفي جهد مقل لمحاولة جمع باقة من أزاهير خميلة النبوة لتفوح في أجواء حياتنا عطرا وشذى نبويا تتنسمه أرواحنا التواقة إليه ، ولتزين أماكن في العقول والقلوب ، في وقت فتن فيه بعض أبناء جلدتنا بمدنية طغت على كثير من العقول والقلوب في العالم ، واقتحمت قلاع المبادئ والمثل عن طريق هؤلاء المفتونين ، وما ذاك إلا ضعف في دينهم وغشاوة على أعينهم ، وأحد مظاهر الوهن في الطرح الإسلامي .
-ومع تطور البشرية في العلوم التقنية ، وتراكم الخبرات الإنسانية ومنها العلاقات الإنسانية فقد قننت بعض التشريعات لتصبح أعرافا دولية ، وهي عند جل المثقفين على تباين اثنياتهم واختلاف مشاربهم تعتبر بدهية في رأيهم .
-ومما جاء به صلى الله عليه وسلم ونطق به لسانه في ( العبودية لله ) ليكون الإنسان حرا مما عداه .
-إن النفس البشرية هي نقطة ارتكاز ومركز الوجود الإنساني ، وقلما إنسان اختارت له الأقدار أن يصل إلى قمة أو أن يرتقي لعلي إلا وداخل نفسه شيء من الزهو قد يصل به إلى حد الكبر وعتبة العجب - والنفس بطبيعتها تواقة لذلك - إلا محمدا صلى الله عليه وسلم وإخوانه الذين اصطفاهم الله من الأنبياء والمرسلين ، ومن استطاع إلزام نفسه السير على هدية . قال عليه الصلاة والسلام:"إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد" (1) مخاطبا بذلك أصحابه رضوان الله عليهم .
-والعبودية في شرعة المصطفى شرف ، ومقام مستقر لا حال مؤقت يمليه موقف عاطفي ، وهذا ما حدا بالشاعر المسلم ليفخر بهذه العبودية قائلا:
مما زادني شرفا وتيها وكدته بأخمصي أطأ الثريا
وقوعي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيا
-والعبودية بمضمونها الشامل ، وعلى رأس هذا المضمون العبودية لله سبحانه التي لا تقبل التكبر ولا إسفاف التعجرف .
-وشاخصة نبوية أخرى في طريق العبودية والتكبر على من يخرج عليها قوله صلى الله عليه وسلم:"يحشر المتكبرون يوم القيامة في صور الذر يغشاهم الذل من كل مكان" (2) .
-ومما جاء به صلى الله عليه وسلم ونطق به لسانه في (الأخوة الإنسانية) قوله:
"اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وأن العباد كلهم إخوة" (3) وقوله"الإنسان أخو ا؟لإنسان أحب أم كره" (4) .
-إنها إنسانية وواقعية لا تحارب التمييز الاجتماعي وحسب ، بل تستأصله من جذوره في النفس البشرية يتمثل فيها التواضع وخفض الجناح والرحمة والعفو والأخوة بين بني البشر .
-فلا تمايز البتة إلا في واحدة هي ( التقوى ) . ففي حجة الوداع وآخر عهد الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم ، وقف ليعلن للناس عودة النفس البشرية إلى الفطرة بعد أن اغتالتها وساوس الشياطين ، وارتضت بها الأنفس الأمارة بالسوء ، وأعطتها الجاهلية أقدام رسوخ قال صلى الله عليه وسلم:"إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب . إن أكرمكم عند الله أتقاكم . ليس لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى ، ألا اللهم فاشهد ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب" (5) .
-لم تدرك البشرية هذه المعاني والمبادئ إلا بعد ما يزيد على أربعة عشر قرنا من تاريخ صدورها عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم . وأعلنتها تحت عنوان حقوق الإنسان بوثيقة صادرة عن الأمم المتحدة عام 1948م ، ومن الغريب أن البشرية ما زالت تعاني من عدم تطبيق بنود هذه الوثيقة إلا في حيز ضيق جدا .
-ومما جاء به ونطق به لسانه في جانب ( الرحمة الإنسانية ) قوله صلى الله عليه وسلم:"الراحمون يرحمهم الله ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" (6) وقوله"من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ، ولا تنزع الرحمة إلا من شقي" (7) وقوله"خاب عبد وخسر لم يجعل الله تعالى في قلبه رحمة للبشر" (8) .
-إنها نفس الرسول محمد صلى عليه وسلم التي فاضت بهذه المعاني إشفاقا ورحمة ، وهي سمة يعدها علماء النفس من صفات الشخصية السليمة المتوازنة ، وعلامة تمدن إنساني وحضارة إنسانية.
-وكلمة المسلمين الواردة في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم تعني جميع بني آدم ولم تخصص المسلمين من دون الخلق تنبئ عن عظمة وإنسانية رسول الإنسانية .
-وقد رسم لنا أمير الشعراء أحمد شوقي صورة ذلك بقوله:
فإذا رحمت فأنت أم أو أب وهذان في الدنيا هم الرحماء
وينداح عطفه ورأفته ورحمته صلى الله عليه وسلم إلى حد لم تصل إليه البشرية لحد الآن .