ومع بداية الثمانينات ومروًا بالتسعينات بدأت الأوضاع تأخذ في التغيير وأخذت مشكلة البطالة في الانفجار المدوي حيث مالت أسعار النفط عالميًا للتدهور بشكل حاد مما أثر بشكل مباشر على الدول العربية قاطبة ففي البلاد العربية النفطية انخفضت أحجام دخولها القومية وتبعه انخفاض معدلات نمو الإنفاق الحكومي الاستثماري وبالذات في مجال البنية الأساسية التي كانت قد قاربت على الاستكمال مما حدى بتلك الدول تطبيق سياسات انكماشية ، وكان من ضمنها وقف التعيينات في الأجهزة الحكومية والحد من استقبال العمالة الوافدة .
أما في البلاد العربية الغير نفطية فقد كان لانخفاض أسعار النفط آثار سلبية شديدة من أهمها انخفاض الدخل القومي حيث كان النفط مصدرًا من مصادر هذا الدخل في بعض هذه البلاد مثل مصر وسوريا كما انخفضت المساعدات العربية من الدول العربية النفطية وكذلك عادت العمالة إلى أوطانها مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة وفقدت هذه الدول موردا هاما من موارد الدخل القومي المتمثل في التحويلات النقدية التي كان يرسلها العمال بالخارج ، وصاحب ذلك تفاقم أزمة المديونية الخارجية لهذه البلاد التي نجمت عن الإفراط في الاستدانة الخارجية أدى إلى ارتفاع معدل خدمة الدين .
كل هذه الضغوط قادت تلك الدول إلى إتباع سياسات اقتصادية صارمة كان لها دورا كبيرا في زيادة معدلات البطالة حيث تخلت كثير من هذه الدول عن تعيين الخريجين وتقلص دور الحكومة في النشاط الاقتصادي مما أدى إلى خفض الطاقة الإنتاجية التي تستوعب الأيدي العاملة العاطلة وأضحت البطالة كارثة تهدد الوطن العربي .
ومع قله البيانات والإحصائيات عن حجم البطالة في الوطن العربي نستطيع أن نتلمس حجم المشكلة من التقارير المتاحة . ففي التقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 1994م كان قد قدر معدل البطالة في الاقتصاديات العربية بحوالي 10% من قوة العمل العربية التي بلغت عام 1993 حوالي 67.5 مليون عامل مما يعنى أن عدد المتعطلين يصل إلى حوالي 6.8 مليون عاطل أما منظمه العمل العربية فقد قدرت معدل البطالة على مستوى جميع البلاد العربية بقرابة 15.5% من قوة العمل العربية وهو مما يعنى وجود ما يزيد على عشرة ملايين عامل عربي عاطل .
بعد هذا العرض السريع لطبيعة الأزمات التي تواجه المنطقة العربية لا يسعنا إلا أن نقول إن الأمر يتطلب جهودًا كبيرة تشمل كل قطاعات الوطن العربي لمواجهه تلك الأزمات ولكن الملاحظ حتى الآن أن الجهود المبذولة متواضعة إلى حد كبير بالنسبة لحجم المشكلات ، فالحل يبدأ من الإعلام العربي المسئول عن عرض القضية أمام الرأي العام وشحذ همم الشعوب لتحمل المسئولية وعقد الندوات واللقاءات مع الباحثين والعلماء المتخصصين لإيجاد تصور عام لحل مثل هذه المشكلات وتقديم العلماء والخبراء على أنهم هم قدوة المجتمع ومثال كفاح مشرف لكل من أراد الرقى والنهضة فكم في حياه هؤلاء الشرفاء من كفاح ومثابرة وإخلاص نحن أحوج أن نعرفه كي نحتذي به في حياتنا .
ولكن مع الأسف وجدنا قطاع عريض من الإعلام العربي بكافة أجهزته يلهث وراء نجوم الرياضة والفن ويكرس جهده ووقته لعرض صور من حياتهم الخاصة وأعمالهم الفنية وفي جميع المناسبات والأعياد القومية يحشد للمواطن العربي كم هائل من هؤلاء النجوم ليُسألوا عن آمالهم وطموحاتهم والأكلات التي يفضلونها والألوان المحببة لديهم ومعاناتهم في تصوير آخر عمل فني أو آخر مباراة شاركوا فيها .
وأضحى الأمر عاديا أن تفتح جريدة لتقرأ خبر عن تهرب أحد هؤلاء النجوم من عدة ملايين من الضرائب أو تقرأ عن أرباح نجم من آخر شريط كاسيت له بما يوازى ميزانيه وزارة مرموقة .
كل هذه الشهرة والثروة دفعت بالكثير من شبابنا العربي العاطل للزحام على أبواب النوادي وصناع نجوم الفن لعلهم يجدون فيهم موهبة تقودهم للنجومية وطريق الشهرة والثروة السهلة السريعة وأصبح في كل حين يخرج عليك نجم فني أو رياضي جديد حتى فاق عددهم الحصر .
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هل نحن حقًا وفي ظل الوضع الراهن بحاجة إلى كل هذا الحشد من النجوم من الرياضيين والفنانين الذين يقدمون لنا كل هذا الكم الهائل من المباريات والمسلسلات والأفلام والأغاني أم أننا نرقص فوق سفينة تغرق ؟!
الهوامش والمصادر:
(1) أزمة المياه في المنطقة العربية / د. سامر مخيمر ، خالد حجازي سلسلة عالم المعرفة الكويتية عدد 209
(2) الأمن الغذائي للوطن العربي / د. محمد السيد عبد السلام . سلسلة عالم المعرفة الكويتية عدد 230
-الاقتصاد السياسي للبطالة / د. رمزي زكى سلسلة عالم المعرفة الكويتية عدد 226
-النظام الاقتصادي العالمي واتفاقيه الجات د. حسين شحاتة