قصة الحسين - رضي الله عنه
أليس الحسين الآن في هذه اللحظة في الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين؟ أليس في الجنة حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون؟ فلماذا تفعلون بأنفسكم هذه الأفاعيل لأجل إمام هو الآن في جنة ونعيم ويطوف عليه ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين؟!.
الحسين بن علي بن أبي طالب، ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، ولد بعد أخيه الحسن، في شعبان سنة أربع من الهجرة. وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين رضي الله عنه وأرضاه.
أدرك الحسين من حياة النبي صلى الله عليه وسلم خمس سنين، فصحت له الصحبة إلى أن توفي وهو عنه راض، ثم كان الصديق، يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، رضي الله عنهما، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، وكان معظمًا موقرًا ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه الحسن، وتنازل عنها لمعاوية لم يكن الحسين موافقًا لأخيه لكنه سكت وسلّم.
ولما توفي الحسن كان الحسين في الجيش الذي غزا القسطنطينية في زمن معاوية، ولما أخذت البيعة ليزيد بن معاوية في حياة معاوية امتنع الحسين من البيعة؛ لأنه كان يرى أن هناك من هو أحق بالخلافة والبيعة من يزيد.
لما بلغ أهل العراق أن الحسين لم يبايع يزيد بن معاوية سنة 60هـ أرسلوا إليه رسلا وكتبا بلغت كثر من خمسمائة يدعونه فيها إلى البيعة. فعند ذلك بعث الحسين ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق؛ ليكشف له حقيقة الأمر، فإن كان أمرًا حازمًا محكمًا بعث إليه ليركب في أهله وذويه.
فلما دخل مسلم الكوفة جاء أهلها إليه فبايعوه على إمرة الحسين، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفًا ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفًا فكتب مسلم إلى الحسين؛ ليقدم عليها فقد تمت له البيعة، فتجهز رضي الله عنه خارجًا من مكة قاصدًا الكوفة.
فانتشر الخبر فكتب أمير المؤمنين يزيد بن معاوية لعامله على الكوفة ابن زياد بأن يطلب مسلم بن عقيل ويقتله أو ينفيه عن البلد.
فسمع مسلم الخبر فركب فرسه واجتمع معه أربعة آلاف من أهل الكوفة وتوجه إلى قصر ابن زياد، فدخل ابن زياد القصر وأغلق عليه الباب، فأقبل أشراف وأمراء القبائل بترتيب من ابن زياد في تخذيل الناس عن عقيل ففعلوا، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول له:"ارجع إلى البيت والناس يكفونك، كأنك غدًا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم؟"فتخاذل الناس حتى لم يبق معه إلا خمسمائة نفس، ثم تناقصوا حتى بقي معه ثلاثمائة، ثم تناقصوا حتى بقي معه ثلاثون رجلًا، فصلى بهم المغرب ثم انصرفوا عنه فلم يبق معه أحد، فذهب على وجهه واختلط عليه الظلام يتردد الطريق لا يدري أين يذهب، فاختبأ في خيمة، فعلموا بمكانه فأرسل ابن زياد سبعين فارسًا فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط به فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم ثلاث مرات. وأصيبت شفته العليا والسفلى ثم جعلوا يرمونه بالحجارة فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه أحدهم الأمان فأمكنه من يده وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه، فالتفت إلى رجل يسمى محمد بن الأشعث فقال له: إن الحسين خرج اليوم إليكم فابعث إليه على لساني تأمره بالرجوع، ففعل ذلك ابن الأشعت، لكن الحسين لم يصدق ذلك.
فأتوا بمسلم بن عقيل فأُدخل على ابن زياد، فأمر بأن تضرب عنقه فأُصعد إلى أعلى القصر وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر، فقام رجل فضرب عنقه وألقى برأسه إلى أسفل القصر وأتبع رأسه بجسده. وكان قتله رضي الله عنه يوم التروية الثامن من ذي الحجة.
ثم إن ابن زياد قتل معه أناسًا آخرين وبعث برؤوسهم إلى يزيد بن معاوية إلى الشام.
خرج الحسين من مكة قاصدًا أرض العراق ولم يعلم بمقتل ابن عمه مسلم بن عقيل، وقبل خروجه استشار ابن عباس فقال له: لولا أن يزرى بي وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب. فقال الحسين: لأن أُقتل في مكان كذا وكذا أحب إلي من أن أُقتل بمكة.
فلما كان من العشي جاء ابن عباس إلى الحسين مرة أخرى فقال له يا ابن عم! إني أتصبر ولا أصبر إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغتر بهم، أقم في هذا البلد وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصونًا وشعابًا وكن عن الناس في معزل، فقال الحسين: يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكني قد أزمعت المسير. فقال له: فإن كنت ولا بد سائرًا فلا تسر بأولادك ونساءك، فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه.