تعامل الأنبياء مع الواقع محمد الحبر يوسف*
التعامل مع الواقع القائم أمر لازم وواجب لا مناص عنه لكل من أراد أن يؤثر في هذا الواقع سلبا أو إيجابا، ولما كانت مهمة الأنبياء عليهم الصلاة إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وإصلاح أحوال العباد، لتستقيم حياتهم بعد ذلك على سنن الحق والفضيلة، كان لابد أن يكون لهم منهج واضح يرفد المصلحين في كل زمان ومكان بمنهج الحق الذي يجب أن يلتزموه في تعاملهم مع واقع الشعوب المنحرفة عن الصراط، وأول ما يلفت النظر في هذا أن الله جل وعلا بعث كل نبي في قومه خاصة إلا محمدًا صلى الله عليه وسلم فإنه بُعث للناس عامة قال تعالى: (وإلى عادٍ أخاهم هودا) ، (وإلى ثمود أخاهم صالحًا) ، (وإلى مدين أخاهم شعيبًا) ، وقال سبحانه: ( ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) ، و قال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) .
والحكمة في اختيار الرسول من بيئته ليكلم الناس بلسانهم فيه دلالة واضحة على أهمية خلق جسور من الصلات النفسية والمعرفية مع المخاطبين، فالغريب الطارئ على أي مجتمع من المجتمعات لن يستطيع ـ مهما أوتي من قوة الملاحظة وحدة الذكاء ـ أن يستوعب واقع ذلك المجتمع استيعابًا يمكنه من النفاذ إلى قلوب أهله، وغالبًا ما تعترض سبيله حواجز التشكك في سيرته لأنه مجهول الماضي، وقد أمر الله نبيه أن يقول للكافرين: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون، فسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في قومه تشهد بصدقه وأمانته مع الناس فما كان له كما قال هرقل لأبي سفيان أن يدع الكذب على الناس ثم يذهب ليكذب على الله، وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: ثم بعث فينا رسولًا نعرف صدقه ونسبه وأمانته.
إن التأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يطلعنا على أنه صلوات الله عليه وسلامه كان أعظم الناس إحاطة بواقعه، وأعرفهم بمداخله ومخارجه، وأقدرهم على التأثير فيه، لقد علمتنا السيرة المباركة كيف يمكن للداعية أن يستفيد من معرفته بطبائع مجتمعه، وعادات قومه، ومؤثرات بيئته وهو يدعو إلى الله ويدل عليه، روى الإمام أحمد في المسند عن أبي أمامه الباهلي أن فتى جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه فقالوا له مه مه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادن فدنا منه قريبا فجلس ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم أتحبه لأمك-يعني الزنا- قال لا جعلني الله فداء ك فقال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم أفتحبه لابنتك قال لا يا رسول الله جعلني الله فداءك قال ولا الناس يحبونه لبناتهم حتى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخت والخالة والعمة ثم وضع رسول الله يده على صدر الفتى ودعا له بقوله (اللهم اغفر ذنبه وحصن فرجه وطهر قلبه فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء) العبرة في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من معرفته بقيم المجتمع الذي يستقبح الزنا ويعده عارا، ووظف هذه المعرفة في إقناع الشاب بقبح ما همّ به. ثم إن عبرة هذه القصة ليست في المثال الحرفي المذكور ولكنها في الأسلوب والمنهج الذي سلكه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه لأن الداعية الذي يقيم في مجتمع لا يرى الزنا عيبا ـ كأوربا مثلا ـ ربما لا يسعفه المثال الحرفي في بيان الحكمة من تحريم الزنا ولكنه إن استفاد من المنهج الذي قرره الحديث فإنه سيجد نفسه أمام حشد هائل من الحجج الأخرى التي يستطيع أن يوردها وقد تكون حججا طبية أو اجتماعية أو نفسية.
لقد علمتنا أحداث السيرة ووقائعها أن الداعية الحصيف هو الذي يفقه طبائع النفوس ومداخلها وما يلائمها ويناسبها، ففي صلح الحديبية كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يفاوض قريشا وهو على معرفة كاملة بطبائع القوم وعاداتهم فإنه لما أشرف الحليس بن علقمة ليفاوض نيابة عن قريش قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه لما راءه قادما من بعيد: (هذا الحليس بن علقمة وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له) ، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك قال (سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت) فرجع إلى أصحابه فقال (رأيت البدن قد أشعرت وقلدت، وما أرى أن يصدوا عن البيت) وما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأسلوب مع من جاء قبل الحليس (بديل بن ورقاء وعروة بن مسعود) ولا مع من جاء بعده (مركز بن حصن وسهيل بن عمرو) ، ومن حكم العرب: لكل مقام مقال.
وخلاصة القول في هذا أن الداعية الذي يريد أن يؤثر في واقعه لابد له من استيعاب شامل لذلك الواقع ومكوناته وسائر ما يتصل به، وآفة كثير من إخواننا الدعاة في هذا الجانب أنهم وقعوا في إحدى ثلاث:
إما في إهمال دراسة الواقع وحسن فهمه وتصوره.
أو في الاستجابة إلى ضغط الواقع والرضا ببعض ما فيه من صور الانحراف.
أو في معاداة الواقع ومفاصلته جملة وتفصيلا دون تمييز بين خيره وشره.