الملحظ الثاني في تعامل الأنبياء مع الواقع هو ربط الدعوة بهموم الناس ومشكلاتهم وأقضيتهم، إن الأنبياء جميعا جاؤوا إلى أممهم بالدعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) وقال سبحانه: (وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) ولكن ما من أحد منهم إلا وواجه قومه بما انحرفوا فيه، وسعى لأن يربط دعوته للتوحيد بالدعوة إلى إصلاح الواقع، فشعيب عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله ودعاهم في الوقت ذاته إلى إصلاح الفساد الاقتصادي المتمثل في التطفيف وبخس الناس فقال لهم: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ، ولوط عليه السلام دعا قومه إلى التوحيد، ودعاهم في الوقت ذاته إلى إصلاح الانحراف الخلقي الذي عرفوا به، وأنكر عليهم ما هم عليه من الفاحشة: (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد في العالمين) ورسالة موسى إلى فرعون كانت دعوة إلى التوحيد الخالص ونهيا عن الاستكبار وفساد الحكم (فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم) .
إذًا فواجب الدعاة إلى الله في كل مجتمع أن يخاطبوا الناس بما يهمهم، وأن يتلمسوا مشاكلهم وحاجاتهم لأن هذا هو الذي يؤثر فيهم وتبلغه أفهامهم، أما الخطاب بالمعاني المجردة أو اجترار مشاكل لا وجود لها في الواقع، أو تضخيم المشكلات الصغيرة على حساب القضايا الكبيرة كل ذلك من الأخطاء التي يجب أن تراجع في مناهجنا الدعوية.
الملحظ الثالث في تعامل الأنبياء مع الواقع هو تأكيدهم لحقيقة أن الاستقامة على أمر الله لن تكون سببا في الفوز بالآخرة فحسب، وإنما يعود خيرها على حياة الناس في معاشهم وواقع حياتهم، قال نوح لقومه: (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم انهارا) . وقال هود لقومه: (ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين) ، وقال سبحانه (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)
إن هذه الحقيقة القرآنية -حقيقة أن الاستقامة تجلب خيري الدنيا والآخرة-لابد لها أن تكون شاخصة في أحاديث الدعاة، فالإسلام لن يكون يوما خصما على رفاهية الشعوب وتحضرها فضلا عن أمنها وسلامتها، كيف وقد كان من مقاصد دعوة الرسل إصلاح الأرض وإعمارها بالخير ونشرالأمن في ربوعها؛ (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا) ، إن أعداء الله يريدون أن يصوروا للعالم ـ بعد أن رأوا تقدم الإسلام ـ أن هذا الدين شبح يوشك أن ينقض على حضارات الشعوب لتعود البشرية إلى ظلام الماضي وكهنوت رجال الدين، إن هذا الإفك المفترى يحتاج من الدعاة إلى الله أن يقولوا للعالم إن إيمانكم بربكم وعبادتكم إياه ستجلب لكم الطمأنينة والسعادة في العاجل والآجل، وقد قال موسى لقومه: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد) .