فهرس الكتاب

الصفحة 1723 من 27345

أفلا أكون عبدًا شكورًا؟

د. محمد عمر دولة*

إذا شَمَّ الواحِدُ مِنَّا وَلدَه.. واحتَضَنَه وقبَّلَه.. ولاطَفَه ولاعَبَه؛ أحَسَّ بِنِعمةِ الله عليه، ورأى شَآبِيبَ الرحمةِ تغمُر ناظريه! فيرفع يَدَيْهِ حامِدًا الله عَزَّ وجَلَّ الذي مَنَّ عليه بِوَلَدٍ يؤنِسُه ويَخدمُه ويَحمل اسْمَه ويدعُو له!

ولكنْ.. كَم مِن الرجالِ والنساءِ.. في العالَمِ كلِّه.. قد ابتلاهم الله بالعُقمِ وعَدمِ الولدِ؛ فعاشُوا عُمرَهم يتمنَّون.. لو دفعوا جميعَ ما يملكون نظيرَ وَلدٍ يُنادِي أبويه.. ويُناجِيهما!

وأنتَ.. أيها الغافِلُ عن ذِكرِ ربِّه.. الناسي حَمْدَه وشُكْرَه! قد حباك الله بأولادٍ وبناتٍ، وزوَّجَهم ذُكرانًا وإناثًا؛ ألا تستَحْيِي من الله عَزَّ وجَلَّ أن تتمتعَ بِنِعَمِه ولا تشكُرُه عليها! فأولادُك وبناتُك هِبَةٌ مِن الله لك؛ ولا دَخْلَ لك في اكتِسابِهم وخَلْقِهم، كما قال تعالى: (لله مُلْكُ السمواتِ والأرضِ يَخلُقُ ما يشاءُ يَهَبُ لمن يشاءُ إناثًا ويَهَبُ لمن يشاءُ الذُّكُور ويُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا ويجعلُ من يشاء عقيمًا إنه عَلِيمٌ قديرٌ) . [1]

كم نحن في حاجةٍ.. إلى الوُقوفِ أمام نِعَمِ الله عز وجلَّ علينا.. بِخُضُوعٍ وخُشُوع؛ لِنَتوجَّهَ إلى الله سبحانه بالشُّكرِ الجزيلِ.. فقد رَحِمَنا بِفَضلِه ولم يَحْرِمْنا بِعَدْلِه؛ حيث لم يُعامِلْنا بِذُنوبِنا ومَعاصِينا؛ بل عامَلنا بِلُطفِه وفَضلِه!

أخي المسلم.. هلا ذَكَرْتَ نِعمةَ الإسلام؛ التي تشتمل على سعادةِ الدَّارَيْن؛ فشكَرتَ اللهَ عليها؛ فإنها أجَلُّ النِّعَمِ على الإطلاق؛ ولولا رحمةُ الله بنا لَكُنَّا ـ والعياذ بالله ـ يهودًا أو نصارى! وهلا استحضرتَ نعمةَ الاستقامةِ والهداية؛ ولولا رحمةُ اللهُ لكُنَّا فُسَّاقًا أو فُجَّارا! وهلا تفكَّرتَ في نعمةِ العقلِ والحكمةِ والرُّشْدِ؛ ولولا رحمةُ الله لكُنَّا مِن الذين لا يعقِلُون؛ بل هم في غيِّهم سادِرُون وفي جَهالَتِهم يَتخبَّطُون!

فالكَيِّسُ يزدادُ شُكرًا على هِدايتِه؛ كلما رأى مَوجاتِ الفسادِ والرذيلةِ تُحيطُ به، كما قيل:

سُبحانَ الله! أفلا ينظر الواحدُ منا.. إلى يَنْبُوعِ الصحةِ المتدفِّقِ بين جَنبيه وعَبَقِ العافيةِ الذي يفوحُ بين يديه! فلولا هذه العافيةِ التي أنعمَ الله بها عليه؛ فصار يسعى بها بين الناسِ في طلبِ العلمِ والرزقِ وخيرِ الدنيا والآخرةِ؛ لكان طَريحَ الفِراشِ لا يقدر على أداءِ شيء من أعمالِه ولا تحقيقِ شيءٍ من آمالِه!

وإنَّ زيارةً واحِدةً لبعضِ المستشفيات.. التي تكتظُّ بأنواعِ الأمراضِ الجسدية.. والعاهاتِ العقلية.. والعِلَلِ النفسية؛ لَتَجعَلُ المرءَ يهتف مِن أعماقِه: (الحمد لله الذي عافانا مما ابتلَى به كثيرًا من الناس) . فالصِّحةُ التي يُغبَنُ فيها كثيرٌ مِن الناسِ.. نِعمةٌ مِن اللهِ على عبادِه؛ لا يعرفُ قدرَها إلا الشاكِرُون الذاكِرُون؛ الذين يعلمون أنَّ النِّعم كلَّها مِن عند الله، كما قال سبحانه: (وما بكم مِن نِعمةٍ فمِنَ الله) ! [3]

ولو تفكَّرْنا في نعمةِ الرزقِ والمالِ الذي يُغْدِقُ به الله علينا؛ لألفيناها نعمةً خالِصةً من عند الله؛ فلا يرزقنا أحدٌ إلا الله عز وجل، كما قال سبحانه: (وفي السماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُون فَوَرَبِّ السماءِ والأرضِ إنه لحقٌّ مثلَ ما أنكم تنطِقُون) . [4] ولو الله سبحانه؛ لكنا من المساكين والفقراء المُعدَمِين!

ولو تأمَّلْنا نِعمةَ العِلمِ والفهمِ والسداد والرشاد؛ لألفيناها هِبةً من عند الله؛ يُعطِيها مَن يشاء من عبادِه؛ فيصيرون من العُلماءِ العامِلِين، ويحرم منها بِعَدلِه مَن ليس أهلًا لها؛ فيظل من الجاهلين الجاحِدين؛ (أليس الله بأعْلَمِ بالشاكِرِين) ! [5]

فنَعوذُ بالله أنْ نكونَ مِن الجاحِدين المتكبِّرين الذين (يَعرِفُون نِعمةَ الله ثم يُنْكِرُونها) . [6] (وإن يروا كلَّ آيةٍ لا يؤمنوا بها) ! [7] بل نكون من الشاكرين المخبتين، الذين يحمدون اللهَ على نِعَمِه الجسيمة وآلائه العظيمة؛ فيقولون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفلا أكونُ عبدًا شكورا) ؟! [8]

[1] الشورى 50.

[2] البيتان للزوزني رحمه الله.

[3] النحل 53.

[4] الذاريات 22-23.

[5] الأنعام 53.

[6] النحل 83.

[7] الأعراف 146.

[8] رواه البخاري في باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تَرِم قدماه، وقالت عائشة رضي الله عنها (حتى تتفطر قدماه) ، والفطور الشقوق، انفطرت انشقت. حديث 1078 عن المغيرة رضي الله عنه قال: (إن كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه أو ساقاه فيقال له؛ فيقول: أفلا أكون عبدا شكورًا؟!) ومسلم في باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، حديث 2819.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت