الذي ينظر لحال الغالب من الملتزمين في هذا الزمان يرى أنهم بحاجة إلى رعاية ومتابعة من العلماء والدعاة الربانيين، فقد عظم العدد ومنَّ الله على الأمة بالأنس بمظاهر الإسلام والعود إلى صور الالتزام. ولكن كما يقال اتسع الرتق على الراتق والثوب بحاجة إلى تغيير، فالعلل كثيرة والأمراض فتاكة وقد تبدوا عوارض المرض وظواهره؛ وقد تختفي و تظهر بين حين وآخر.
وهناك ظاهرة خطيرة وداء عضال ضرب أسمى علاقة ربانية في مقتل، وأظنها أصابت الهدف، وهي معاملة بعض الملتزمين بعضا معاملة المنافق لغيره، مما أوهن رباط الأخوة، وقطع حبل التواصل، وهدم جدران المودة.
فبعد أن يئس الشيطان أن يُعبد من دون الله عند الملتزمين وأهل السبق، إذ به يضرب بين القلوب، بعد التهاون في أمر الله عز وجل، ومخالفة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فتآلف القلوب دلالة على صحة المنهج وسلامة الطريق قال تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال:63]
فما عليه كثير من الملتزمين من إبطان العداء لإخوانهم، وإظهار البشر لهم؛ فتراهم إخوة في العلانية يضحك بعضهم مع بعض ويتبادلون أطراف الحديث كما لو أنهم يعيشون حالة من الصفاء التي ليس لها نظير، وربما يلقى بعضهم بعضا بالأعناق والقبلات, وحينما يتوارى البعض عن الآخر تبدأ بعض الممارسات التي لا تليق بعامة الناس فضلًا عن أناس يحملون رسالة سامية، وقد يكون سبب هذه العداوة شيء حقير أو خلاف شخصي أو خلاف حزبي أو خلاف طائفي أو..؟!! والله تعالى عليم بذات الصدور.
لقد نهانا الله سبحانه وتعالى عن التشبه باليهود والنصارى في أمور كثيرة، ومنها التشبه بهم في الخلاف، ولهذا قال سبحانه وتعالى ـ لما ذكر اليهود وما جرى لهم ـ {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} [الحشر: من الآية14] ، فأشار إلى أن الخلاف الذي يصل إلى هذا الحد لا يقع إلا من قوم ضعف عليهم الدين وضعف عليهم العقل؛ لأن العقل يقتضي أن يكون بينهم نوع من التناصر والتلاحم والتقارب يستطيعون أن يتغلبوا به على ما يواجههم فالمرء بأخيه وما أعنيه أبناء العقيدة الصحيحة والمنهج السليم.
فمن العجيب أنك ترى أنه كلما زاد القرب والتلاقي مع بعض من ينتسبون إلى هذه الدعوة ترى بونا شاسعا بين ما تسمعه عن هذا الدين من قيم وأخلاق, وعبادات ومعاملات, وأصول راسخات, فترى نفسك في ازدواجية وقلب للمعايير وبخس للموازين!! فأين الذين يعقلون؟ وأين الذين هم لهذا الدين قائمون؟
فهذا يمكر بهذا وهذا يحارب وعند التلاقي يداهن بعضهم بعضا ويتأولون القول: نبش في وجوه القوم وقلوبنا تلعنهم، ومن شر الناس منزلة من تركه الناس خشية فحشه، فأنزل بعضهم بعضا هذه المنزلة وأسقط بعضهم بعضا هذه السقطة.
وهذا أعاذنا الله منه ضرب من النفاق، ولما هالني أمره أردت أن أجمع عن النفاق كلمات تكون عبرة وذكرى لي ولإخواني-ونسأل الله أن يعيذنا من النفاق.
والنفاق معناه: إظهارُ الإسلام وَالخير، وَإبطانُ الكفر وَالشر؛ سمي بذلك لأنه يدخل في الشرع من باب، وَيخرج منه من باب آخر، وَعلى ذلك نبه الله تَعَالَى بقوله: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة: من الآية67] ، أي: الخارجون من الشرع.
وجعل الله المنافقين شرًا من الكافرين فقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [النساء: من الآية145]
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: من الآية142] .
{يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) } [البقرة:9 - 10]
أنواع النفاق
النفاق نوعان: