عصام يوسف بدري*
تسود بين الناس في الحياة الدنيا مختلف أنواع الاتصالات، وتتعدد العلاقات التي تصدر عنهم تجاه بعضهم بعضا؛ فالإنسان يتصل بنفسه، ويتواصل مع الآخرين ظالمًا أو مقتصدًا أو سابقًا بالخيرات..
يقل خيرًا أو يصمت؛ يكف أذاه عن الناس؛ فلا يصدر عنه في تواصله معهم إلا خيرا.. يعرف حقوقه عليهم، وحقوقهم عليه؛ فيكون وقّافًا عندها؛ لا يتجاوزها، ولا يدور حول الحمى.
يسارع في الخيرات، ويستبق المعروف..
يعرف حق نفسه عليه، وحق أهله، وحق أبنائه، وحق جاره، وحق عمله، وحق مجتمعه، وحق دولته، وفوق كل ذلك حق ربه (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإنْسَانِ مِنْ طِينٍ) ، (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأبْصَارَ وَالأفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ) ؛ شكرًا يتمثل في إعمال الجوارح في مرضاته سبحانه.. شكر اللسان والعمل: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) .. والشكر نعمة تستوجب الشكر؛ ومن ثم فلا سبيل ثم للشكر مهما شمر عبد واجتهد يبتغي رضاء رب منعم هدى لدين كمل وتم.
ولنفسه عليه حق؛ ألا يعمل جوارحه في معصية الله، وألا يوردها المهالك، وألا يمضي في طريق عاقبته حسرة وندم.
ولأهله عليه حق؛ أن يعيش معهم حياة ربانية؛ راضية مرضية؛ تسودها علاقات واتصالات تصدر عن شرعة ومنهاج؛ تنشئة وتربية، كسبًا وحرثا؛ فلا يكون في بيته ولا محيط إقامته مكان لمعصية، ولا متسع لتفلت من مثل، ولا متروى لتجاوز وتعد لقيم..
تعلو منه وضاءة القرءان، وتتصاعد إشراقة الصالحات حبلا ممدودا من السماء؛ تنتهي أطرافه عند بداية الصراط المستقيم؛ انتظارًا لأصحابها هناك؛ خير معين -من بعد الله تعالى- لأهلها على تجاوز الصراط، والمرور الآمن؛ فإن المرور على الصراط تكون سرعته فيه بحسب الأعمال التي تكتسبها جوارح الاتصال.. (من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه) ..
يشهد له جيرانه، ويذكره معارفه بالخير حيًّا ومَيْتا.. إذا خرجت جنازته، وحمل جثمانه كانت ألسنتهم أقلام الحق؛ بإذنه سبحانه وتعالى.. وفي السنة ما يشير إلى ذلك.. فقد مرت جنازة؛ فأثنى عليها الناس خيرًا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (وجبت) .. ومرت جنازة أخرى؛ فأثنى عليها الناس شرًّا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (وجبت) .. وعندما سئل صلى الله عليه وسلم؛ قال: (أثنيتم على الأولى خيرًا فوجبت لها الجنة، وأثنيتم على الثانية شرا فوجبت لها النار) .. وهو معنى جامع؛ ينتظم سيرة ومسيرة الإنسان مع كل من كان له به صلة.. (كل خليقة وإن خالها ابن آدم تخفى على الناس تعلم) .. (لا يضيع العرف بين الله والناس *** ومن يصنع المعروف لا يعدم جوازيه) ..
ولم ينفع تلك المرأة قيامها الليل، وصومها النهار؛ وهي تؤذي جيرانها؛ فقال صلى الله عليه وسلم عنها: (هي في النار) .. وتعظيمًا لشأن الصلة بالجيران ورد في ذلك ما ورد من آيات وأحاديث منها: قوله تعالى: (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ) (سورة النساء: من الآية 36) ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن) .. قيل: ومن يا رسول الله؟!.. قال: (الذي لا يأمن جاره بوائقه) ..
عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟.. قال: (أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك) .. قلت: إن ذلك لعظيم.. قلت: ثم أي؟.. قال: (ثم أن تقتل ولدك تخاف أن يطعم معك) .. قلت: ثم أي؟.. قال: (ثم أن تزاني بحليلة جارك) ..
(ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ..
ولأمر ما قدمت في الجنة أهمية الجار قبل الدار: (رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) (سورة التحريم: من الآية 11) ، والمثل الشعبي: (الجار قبل الدار) ..
وتمتد أهمية الصلة والاتصال إلى المجتمع كافة (خير الناس أنفعهم للناس) ، (ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته) ..
بل وتشمل حتى الحيوان؛ (دخلت امرأة النار في هرة؛ ربطتها؛ فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض؛ حتى ماتت هزلًا) ..
ودخل رجل الجنة في كلب سقاه (فغفر الله له) ..
ثم تنتقل محصلة ذلك الاتصال والتواصل إلى عالم الغيب انتفاعًا بنافعها وصالحها، وقصاصا من فاسدها وظالمها، وفي عقبة القصاص تلتقي الخصوم؛ حتى يقتص للشاة العجماء من الشاة القرناء.
لا درهم، ولا دينار ولا عملة تتداول؛ بها يتحلل من تبعات، وترد لحقوق؛ بل حسنات وسيئات؛ يزيد رصيدها أو ينقص بقدر طبيعة الاتصال، ومردود التواصل الذي كان في عالم الدنيا التي انقض سامرها، وانفض سوقها.
وقد أفلح ابن القيم في وصف الدنيا بأنها سوق قام وانفض، وميدان سباق علاه الغبار، وانطلق فيه المتسابقون.
وغدًا سينجلي الغبار، وتعرف أتحتك فرس أم حمار!!..