فهرس الكتاب

الصفحة 13094 من 27345

بقلم: د. يحيى هاشم حسن فرغل

يدعونا مبدأ الذاتية الإسلامية إلى تصحيح ما جرت عليه عادة المسلم في توجهه إلى ربه في طلب النجاة من البلاء ، وبخاصة في عصور التغريب ، والجهل بالمنطلقات الأساسية للإسلام.

إن الأمر يدعو إلى تجلية البدهيات والأساسيات الإسلامية ، حول هذا الموضوع ، تلك التي تاهت عنها أقدام المسلمين المعاصرين ، وهم الذين يجأرون اليوم بطلب النجاة ، وهم في واقع طلبهم هذا قد يرتكبون إثما جديدا يبعدهم عن النجاة .

إن الأمر يحتاج إلي تجلية أساسيات الموضوع وأولياته: ما هو تصور المسلم لمعنى النجاة ، وارتباط هذا المعنى بمعنى الفلاح ؟ إمكانات النجاة ؟ نجاة مَن ؟ من أي شيء ينجو ؟ ممن يطلب ؟ مقاييس النجاة التي بينها مالك النجاة وأهمية الالتزام بها عند الطلب ؟ مسئولية الأمة في النجاة ؟

وللإجابة على هذه الأسئلة لابد من معالجة إسلامية لمشكلة الخير والشر كمدخل ضروري لبحث الموضوع .

وهنا يمكن القول بأن مشكلة الخير والشر في الفكر البشري والفلسفة ما تزال هي المشكلة التي يتحصن بها الإلحاد في محاربته لعقيدة الألوهية ، بعد أن زالت تقريبا في العصر الحديث الشبهات الأخرى التي يثيرها ضد الإيمان بالله تعالى .

لقد زالت - أو تكاد - شبهات الإلحاد ضد الاعتقاد بالغيبيات بعد أن أصبحت المادة نفسها في نظر العلم الحديث شيئا غير مادي . ( أنظر مقالنا بالشعب لتاريخ 17\8\4 بعنوان"العلمانية ودورها في إنشاء ديانة شمعية ميتة ) "

وزالت - أو تكاد - شبهات القول بكفاية القوانين التي تحكم التطور الطبيعي ، بعد ما تبين علميا أن ما يسمى"قوانين الطبيعة"ليست حتمية ، وتبين فلسفيا أن قوانين تطورها ليست ذاتية إذ هي في حاجة إلى عناية وتخطيط وقصد وإرادة لا تملك المادة الطبيعية شيئا منها.

وزالت - أو تكاد - شبهات القول بكفاية العلم التجريبي بعد ما تبين فشله في تلبية أشواق الإنسانية إلى المعرفة والقيم ، وأصبح كثير من المفكرين العصريين يعلنون: أنه ليس بالعلم وحده يحيا الإنسان . وسوف نتحدث عن ذلك بالتفصيل إن شاء الله

لكن شبهة وجود الشر في العالم ما تزال موضع الاستغلال من أعداء الدين يقول هرمان راندال في كتابه ( تكوين العقل الحديث ج2ص 244 وما بعدها ) : ( والحقيقة أنه لا يمكن أن يوجد اعتراض علمي على تفسير مجرى الطبيعة كعملية إلهية …. والاعتراض الواحد الكبير على مثل هذا التفسير هو مشكلة الشر العريقة في القدم )

ويفسر هريرت سبنسر وجود الشر تفسيرا خيريا بنظريته الصارمة في التطور - منطلقا من إرادة الإلحاد - حيث يقول ( إن فقر العاجزين ، والمصائب التي تنصب على الغافلين ، ومجاعة العاطلين ، والضربات التي يسددها الأقوياء إلى الضعفاء .. هذه كلها تدابير طيبة بعيدة النظر ، وإنه من الصعب علينا أن نتقبل أن يأتي عامل عديم المهارة لا يستطيع التفوق رغم جهوده كلها فيلحق الفقر بصانع ماهر …. ولو نظرنا إلى هذه الأقدار القاسية غير منفصل بعضها عن بعض ، بل على ضوء مصالح الإنسانية الشاملة لرأيناها منطوية على أسمى الإحسان ) ثم يقول: ( إننا لا نعتبره عطفا حقيقيا من الأم أن تعمد إلى إرضاء طفلها بالحلوى بشكل يضر بصحته حتما ، كما أننا نعتبر ه نوعا سخيفا جدا من الرحمة ، تلك الرحمة التي تدفع الطبيب إلى ترك داء المريض يستفحل إلى درجة مميتة لئلا يؤلمه بإجراء عملية جراحية ، ويجب أن ننعت بنفس الوصف أولئك المحسنين المزيفين الذين يحاولون أن يدفعوا البؤس الحاضر فيوقعوا الأجيال المقبلة في بؤس أشد ، ويجب أن ندخل في هذه الزمرة جميع أنصار قانون حماية الفقراء ؛ إن أصدقاء المعوزين هؤلاء ينكرون تلك الضرورة القاسية التي إذا سمح لها بأن تفعل فعلها تصبح حافزا شديد الوخز للكسالى ،ولجاما قويا للمتشردين ، وإنما يدفعهم إلى إنكارها ما تسببه من عويل ونواح هنا وهناك . وهؤلاء الأشخاص بسطاء التفكير إذ يعمون عن أن المجتمع في كل النظام الطبيعي ينفي من جسمه باستمرار أفراده المرضى ، والأغبياء والكسالى المترنحين ، الكفرة !! ، إنهم إذ يعمون عن هذه الحقيقة رغم حسن نواياهم ، يقترحون القيام بتدخل في مجرى النظام الطبيعي ، من شأنه لا أن يوقف عملية التصفية فحسب ، بل أن يزيد من الفساد … وهكذا نرى هؤلاء الأشخاص الذين يرون الحكمة في التنهد ، وإظهار الحزن ،وهم يحاولون القضاء على الآلام المفيدة التي تحيط بنا ، إنما يورثون الأجيال القادمة لعنة متزايدة باستمرار ) أنظر المصدر السابق ، ترجمة جورج طعمة ج2 ص 480\ 481 ، هكذا كان الحل لمشكلة الشر عند هربرت سبنسر بعيدا عن هدي الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت