فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
أما برتراند رسل فإنه بعد أن يجد نفسه أمام القانون الثاني للديناميكا الحرارية ، وما يدل عليه من حدوث العالم ، وما يقضي به من الإقرار بالصانع وبعد أن يرتكب حماقة التملص من حصار هذا القانون بما يشبه الهذيان ( أنظر كتابه"مجموعة عالمنا المجنون"ترجمة نظمي لوقا ص 70 ) نراه يحاول أن يستند إلى مشكلة وجود الشر في العالم لإنكار القول بوجود الله ، يقول في أسلوب انطباعي تهريجي ( بعض الناس يتعزون بفكرة أن الله إذا كان قد صنع العالم - أي بوجود الشر فيه - فقد يعيد بناءه حين يتم له الانهيار - يشير في سخرية إلى حقيقة الآخرة - وإنني - هكذا يقول - لا أرى أن عملية كريهة يمكن أن تقل كراهيتنا لها بأن نفكر في إمكانية إعادتها إلى مالا نهاية)
ومن الواضح أن رسل لم يكن جادا وهو يسوق اعتراضه على وجود العالم على هذا النحو التشاؤمي المطلق ، ذلك لأن رسل يناقض نفسه عندما يتسع أفقه إلى حدود ينظر فيها إلى العالم نظرة التفاؤل والقبول ؛ ذلك ما نجده في مواضع أخرى ، إذ يقول: ( إن العالم زاخر بشتى الأشياء: بعضها جميل ، وبعضها قبيح ، وأجزاء تبدو رديئة وأجزاء تبدو حسنة ) المصدر السابق ص 81 ، ويقول: ( إني لا أضع حدا فاصلا بين الخير والشر ، بل إني أرى أن الخير في بعض الأحيان قد ينقلب إلى شر ، والعكس طبعا صحيح .. ) المصدر السابق ص96 وهو ينعي على من يشكون من شقائهم في هذا العالم ، فيقول: ( وجملة القول أن أسباب الشقاء ترجع إلى أساس مشترك ، هو الحرمان في الصغر من لذة طبيعية ، تضخمت أهميتها مع التقدم في العمر ، وانعدام التوازن في الاتجاه النفسي مع الشعور بالضياع ) تراه يحلل نفسه فرويديا ؟؟! أنظر المصدر السابق ص 154 ، ثم إنه يقول ( فالعقل لا يمكن أن يحظر علينا السعادة ، بل إني أعتقد أن هؤلاء الذين يرجعون شقاءهم إلى فكرتهم عن الكون أشبه بمن يضعون العربة أمام الجواد ، فهم في الأصل أشقياء لسبب آخر لا يدرون ما هو ، وهذا الشقاء هو الذي يجنح بهم إلى التشبث بأوجه النقص في عالمهم ) المصدر السابق ص155 ، ثم يستعرض تشاؤم سليمان الحكيم في سفر الجامعة ، ويحلل أسبابه ، ويبطلها جميعا ، ( المصدر السابق من ص 159 إلى 164 ) ، بل إنه ليذهب إلى أبعد من ذلك إذ يقرر أن"النقص"من عوامل الحصول على السعادة ، إذ يقول: ( لابد لحصول السعادة من عنصر لا غنى عنه ، وهو شعورك أن شيئا ينقصك ويسعدك أن تحصل عليه ) المصدر السابق ص 159 ، وإذن فإن رسل ليس جادا ولا مخلصا ولا صادقا في ادعائه أن ما عليه العالم من شرور هو سبب رفضه لفكرة وجود الله ، إن الأمر كما يقول هو عنه: ( مرد هذا من غير شك إلى ضعف الشعور الديني لدي ) المصدر السابق ص 71 ، وكما يقول هو عن سير أرثر أدنجتون ( ليس من سبب يمنعه من ذلك - أي من الإيمان بوجود الله - إلا عدم حبه لهذه الفكرة ) المصدر السابق ص 69 . ونحن غير معنيين بالرد التفصيلي عليه في هذا الموضع ، ونرى فيما نذكره من النقاط العامة فيما يلي كفاية بالنسبة لجميع زوايا الموضوع .
وهنا يمكننا أن ننطلق من عدة مبادئ في مواجهة هذه الشبهة أعني شبهة الشر:
أولا: أن شعورنا بوجود الشر في العالم ناشئ من مشكلة تواجهنا من خلال نظرية المعرفة ، وليس من نظرية في الوجود ، - قارن ذلك باعتقاد المسيحية أن الإنسان شرير بطبعه: كتاب تكوين العقل الحديث لهرمان رانال ص 231 إلى 245 - وبعبارة أخرى أن هذا الشعور لا يرجع إلى إدراك موضوعي لوجود ما يسمى شرا ، ولكنه راجع إلى محدودية قدرتنا الإنسانية في المعرفة ، ذلك أن إمكانية الإنسان في مجال المعرفة محدودة بحدود ضيقة من مجال الكون والأرض والإنسان ، وإذن فليس من صلاحية هذه المعرفة أن تحكم على الصورة الكلية الشاملة ، وكما نعرف فإن المتطلع إلى صورة ما لا يمكنه الحكم عليها بالجمال أو بالقبح ، بالخير أو بالشر ، بمجرد رؤية بقعة منها في هذه الزاوية أو تلك ، ولكن عليه - إذا أراد أن يحكم عليها من خلال نظرته هو - أن ينظر إليها نظرة شاملة من جميع الزوايا ، وهو شرط لا يمكن تحقيقه من خلال المعرفة الإنسانية المستقلة ، وهنا يأتي مغزى قصة الخضر مع سيدنا موسى عليهما السلام ، حيث كان موسى عليه السلام يغير حكمه على الصورة التي تعرض له عندما يكشف له عن الجانب الخفي منها .
ثانيا: أن شعورنا بوجود الشر ناشئ من ممارسات لنا - فرديا أو اجتماعيا - خارج النظام الذي انطبع عليه نسيج العالم ، وحيث إن هذا النظام هو الذي يتيح لنا أن نجني من العالم خيره ، فإن الخروج عليه - طلبا لخير جزئي موهوم - لابد من أن يؤدي إلى إخلال بما وضع عليه هذا النظام . وكما يقول جورج باركلي - وهو رجل دين وفيلسوف إنجليزي -
( إنما يريد الله النظام محبة بنا ، لكي نستمد من التجربة توقعا مفيدا في أفعالنا المستقبلة ) . فالذي يطلب الخير من النظام بالخروج عليه يرتكب تناقضا نظريا وعمليا في آن .