فهرس الكتاب

الصفحة 6607 من 27345

المفهوم .. والملامح .. والأبعاد

أ.د/

جابر قميحة

جاء الإسلام ليرفع من كرامة الإنسان ـ من حيث هو إنسان ـ فكرمه بالعقل وكفل له الرزق والطيبات، وحقق له أفضلية على كثير من المخلوقات، يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) .

ووضع الإسلام الأسس التي تكفل التخلص من نظام الرق، وأبطل استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، فلا عبودية إلا لله الفرد الصمد (...وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ ...) وأعلن أن الناس سواسية لا يتفاضلون إلا بالتقوى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) .. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) . وفي كل أولئك تقرير لوحدة الأصل مما يقتضي عدم التمايز بالجنس أو الطبقة.

والذين يعيرون الإسلام ظلمًا وعدوانًا بأنه شرع أو أقر الرق أعجزهم العثور على آية واحدة أو حديث واحد يدعو إلى الرق، ونسوا أنه عند ظهور الإسلام كان الرق هو القاعدة الركينة التي يعتمد عليها النظام الاقتصادي العالمي اعتمادًا يكاد يكون كليًا،"فنرى أرسطو طاليس ـ كغيره من الإغريق ـ يؤيد الاسترقاق ويحبذه، فليس الناس لديه سواسية في الحقوق والواجبات، بل هم متمايزون، وينبغي في نظره أن يكون في البلد أحرار وعبيد، وهؤلاء العبيد غير جديرين بالمساهمة في إدارة الحكم، وفي انتخاب من يلي الأمر؛ لأنهم بطبيعتهم كالحيوانات. مهتهم خدمة الأحرار يزرعون و يحصدون، ويعملون لمن يملكونهم، وليس لهم أي حق من حقوق المواطنين."

فلو أن الإسلام حرم الرق طفرة بقرار سريع حاسم ـ وهو الدين العالمي الخالد الذي جعل التدرج أهم صفاته التشريعية ـ لاهتز كيان الاقتصاد العالمي، بل لانهار بناؤه"فجملة التعاليم التي بين أيدينا من الكتاب والسنة تشهد بأن الإسلام عند ظهوره وجد منابع الرق كثيرة، ومصارفه قليلة أو معدومة، فكثَّر المصارف، ونظمها ووسعها، وردم المنابع، أو وضع لها من الوصايا ما يجعلها تجف من تلقاء نفسها".

مصطلح قرآني..

والذين ينظرون في آيات القرآن الكريم لابد أن يلفت بصيرتهم أن المصطلح القرآني الذي تناول الرقيق هو مصطلح الرقبة ـ وليس العبد ـ وأن هذا المصطلح مقترن دائمًا في القرآن بالتحرير (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) .. (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) .. (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) .. (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ . فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ) .

وبالإضافة إلى إلغاء أغلب روافد"نهر الرقيق"وتوسيع مصابِّه شرع الإسلام للأرقاء حقوقًا، ورفع عن كاهلهم التكليف بما لا يطيقون حتى لقد أوشك أن يساويهم بسادتهم كل المساواة ,الأمر الذي جعل تحريررقبة إسلامية لا يمثل خسارة مادية ذات بال، فالرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"للمملوك طعامه وكسوته، ولا تكلفونه من العمل ما لا يطيق". بل لقد ذهب إلى حد التشريع لإلغاء كلمة"عبد"و"أمة"من مصطلحات الحياة الاجتماعية، فقال عليه الصلاة والسلام:"لا يقل أحدكم عبدي وأَمَتِي، وليقل فتاي وفتاتي".

كذلك جعل الإسلام من المكاتبة ـ أي شراء الرقيق لحريته شراء منجمًا ميسورًا يعينه عليه مالكه ـ ومن زواج المالك بفتاته ـ أي أمته إذا هي أنجبت منه وصارت أم ولد جعل من ذلك وغيره مصابَّ جديدة لتحرير الأرقاء"."

ولنوازن هذا بما ذهب إليه أرسطو إذ يقول: إن من الخير للعبد نفسه أن يبقى رقيقًا, حيث وضعه الله، أو وضعته الطبيعة ليخدم الوطن كما يخدمه الحيوان الأعجم سواء بسواء.

حرية شاملة منضبطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت