فالإسلام إذن ـ من منطلق"تكريم بني آدم"عمل على تحرير الإنسان من الرق، ليس هذا فحسب، بل كان أول نظام يمنح الإنسان ـ بصرف النظر عن جنسه ولونه ومعتقده ـ ما يمكن أن نسميه"الحرية الشاملة". ولا يعني هذا الحرية المنطلقة المتسيبة بلا ضوابط ولا قيود فتلك هي الفوضوية بعينها .. الفوضوية التي تقود الفرد إلى الضياع وفساد الدين، وتؤدي بالمجتمع إلى الخراب والانهيار. ولكن المقصود بالحرية الشاملة تلك التي تتناول كل جوانب الحياة، وتمكن الإنسان من العيش والمعايشة بإرادته دون أن يكون مقهورًا أو مظلومًا، أو واقعًا تحت ضغط غير مشروع، أو هي كما عرفها أحد المفكرين المحدثين"الانطلاق المشروع في الرأي والاعتقاد وفي القول وفي الفعل، وفي الاتصال بالغير".
وقد كفل الإسلام للإنسان حرية التفكير. وحرر العقل الإنساني من الأوهام والخرافات والوقوع في أسر التقليد الأعمى. ومن حق الإنسان أن يتمتع بهذا النوع من الحرية: فقد خلقه الله من مادة"الطين", ونفخ فيه من"روحه", وكرمه"بالعقل"الذي وعى حقيقة الأشياء اسمًا ومسمى.. والعقل هو الذي كفل له أن يكون خليفة الله في أرضه )وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) [سورة البقرة] .
ولقد كرم الله الإنسان ـ بالحواس ـ لا لذاتها ـ ولكن بقدر ما توصل صاحبها إلى طريق الفهم والاهتداء والتقوى والصلاح: (.. ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين) [سورة البلد] . وإذا لم تستطع الحواس أن ترتفع بالحقيقة الإنسانية في نفس الإنسان، وتكون وسائل لتحصيل العلم والوصول إلى اليقين والهدى، والتحرر من ربقة الظلم، فوجودها كعدمها سواء، بل إن الإنسان في هذه الحالة يكون أحط مكانة من البهائم؛ لأن البهائم تستخدم حواسها بأقصى طاقاتها حفاظًا على بقائها، أما هو فقد عطل حواسه التي أنعم الله بها عليه لاستعمالها كصاحب رسالة كرمه الله باستخلافه عنه في الأرض، وما قيمة العقل إذا ما عطلت طاقته عن الخير؟ وما قيمة العين إذا لم تبصر طريق الهدى؟ وما قيمة الأذن إذا لم تصغ لصوت الحق واليقين؟ (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(179 ) ) [سورة الأعراف] .
مفهوم شامل للعقل..
والقرآن الكريم لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه، ولا تأتي الإشارة إليه عارضة ولا مقتضبة في سياق الآية، بل هي تأتي في كل موضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة، وتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله، أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه.
وبهذا المفهوم الشامل للعقل، تحريرًا له من الجمود والتوقف والتخلف عن التفاعل الحي مع ما يرى من مظاهر الكون والحياة، دعا الإسلام إلى النظر والتفكير والتأمل، ونعى على الذين لا يفكرون، ولا يتأملون خلق الله، ولا يعملون عقولهم خلوصًا إلى اليقين (وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ(20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21 ) ) [سورة الذاريات] .. (مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى) [سورة الروم: 8] .
وفي عشرات من الآيات القرآنية، بل مئات منها تتكرر كلمة"العقل"وما ارتبط بها من ألفاظ"الفقه"و"العلم"و"التفكير"على النحو الآتي:
أ ـ"عقل"ومشتقاتها (عقلوه ـ تعقلون ـ تعقل .. الخ) ذكرت 48 مرة.
ب ـ"علم"ومشتقاتها (علم ـ يعلم ـ يعلمون .. الخ) ذكرت 866 مرة.
جـ ـ"فقه"ومشتقاتها (تفقهون ـ تفقه ـ يفقهوا ـ يفقهوه .. الخ) ذكرت 20 مرة.
د ـ"فكر"ومشتقاتها (فكر ـ تتفكروا ـ يتفكرون ... الخ) ذكرت 87 مرة.
هـ ـ"وعي"ومشتقاتها (تعيها ـ أوعى ـ واعية ... الخ) ذكرت 4 مرات.
ومجموع هذه المواد التي ذكرتها 1043 (ثلاث وأربعون وألف) لفظة، وكلها تدور على تقدير القرآن للعقل والنظر والتفكير. وهذه المواد التي عرضنا لها هي المواد المباشرة، وهناك مئات من الألفاظ تدور حول العقل والتفكير بطريقة غير مباشرة لم نعرض لها.