فهرس الكتاب

الصفحة 6609 من 27345

والإسلام يقرر للإنسان أن يفكر فيما شاء كما يشاء وهو آمن من التعرض للعقاب على هذا التفكير، ولو فكر في إتيان أعمال تحرمها الشريعة، والعلة في ذلك أن الشريعة لا تعاقب الإنسان على أحاديث نفسه، ولا تؤاخذه على ما يفكر فيه من قول أو فعل محرم، وإنما تؤاخذه على ما أتاه من قول أو فعل محرم، وذلك معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم".

التدرج في التفكر..

وقد تدرج القرآن الكريم في تدريب الناس على التفكر في مراحل متعاقبة:

فالطريق الأول: إعمال الفكر بالنسبة للمحسوسات والمرئيات.

والطريق الثاني: يخاطب فيه القرآن الناس لإقناعهم عن طريق الأسباب والمسببات.

والطريق الثالث: وهو طريق الاتجاه الرفيع بعد أن يكون العقل قد تدرج في التفكير حتى وصل إلى هذه المرتبة، وفي ذلك يقول تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21] .

كما أن هناك طرائق أخرى للفكر تجمعها جميعًا آية واحدة هي قوله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53] .

هذه هي حرية الفكر والتفكير في الإسلام، ربطها الله سبحانه وتعالى بوجود الإنسان ذاته، ودعاه القرآن إلى استعمال حقه في التفكير والتأمل مستخدمًا طاقاته العقلية دون أن يعطلها بالتقليد الأعمى، أو يهدرها فيما لا ينفع ولا يفيد، وكذلك كفل الإسلام للإنسان حرية الاعتقاد، وكان من قواعد الإسلام الراسخة قاعدة"لا إكراه في الدين"و"لكم دينكم ولي ديني"أما الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فما عليه إلا البلاغ، وسبيل هذا البلاغ هو الحكمة والموعظة الحسنة (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99 ) ) [سورة فصلت] .

بل إن الإسلام ليأمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكل مسلم ألا يغلق بابه في وجه مشرك استجار به، بل عليه أن يجيره ويحميه ولا يتخلى عنه إلى أن يبلغ بر الطمأنينة والأمان (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ) [فصلت: 6] .

وقد كانت عهود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلفائه للذميين دليلًا قاطعًا على كفالة الحرية الشاملة لهم وخصوصًا حرية الاعتقاد، كما نرى في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لنصارى نجران: ذلك العهد الذي أكده ووثقه خلفاؤه الأربعة، فنرى في عهد أبي بكر لهم ينص العهد على أنه"أجارهم بجوار الله وذمة محمد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أنفسهم وأرضهم وثلتهم ـ أي جماعتهم ـ وأموالهم وحاشيتهم، وعبادتهم وغائبهم، وشاهدهم، وأساقفتهم ورهبانهم وبيعهم ...".

التاريخ يتكلم..

وحينما فتح المسلمون إيلياء (القدس) كتب عمر ـ رضي الله عنه ـ كتابًا سنة 15 هـ نص فيه على أنه".. أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم، وسقيمها وبريئها، وسائر ملتها. أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود..".

وعقد الأمان أو عقد الذمة يوجب على المسلمين حماية الذميين من العدوان الخارجي، ومن الظلم الداخلي، وحماية أموالهم، وتأمينهم عند العجز والشيخوخة والفقر، وكفالة حرية التدين والاعتقاد والعمل والكسب.

يقول ابن حزم في كتابه"مراتب الإجماع": من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن المواقف التطبيقية لهذا المبدأ الإسلامي موقف شيخ الإسلام"ابن تيمية"حينما تغلب التتار على الشام، وذهب الشيخ المسلم ليكلم"قطلوشاه"في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أسرى أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال:"لا نرضى إلا بافتتاك (إطلاق) جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا ندع أسيرًا لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة". فلما رأى إصراره وتشدده أطلقهم له.

فاختلاف العقيدة لم يمنع المسلمين من رعايتهم للذميين والوفاء بعهودهم معهم، وحمايتهم مما يحمون منه أنفسهم، حتى عاش الذميون يتمتعون بالعدل والحرية شأنهم شأن المسلمين، بل كان لبعضهم في بعض العهود مراكز ومناصب ونفوذ وثروات تفوق ما كان عليه كثير من المسلمين، مما لا يتسع المقام لشرحه، وضرب الأمثلة له.

حقائق ناصعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت