فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 27345

سلسلة دراسات إسلامية معاصرة

نظرية التطور

بين الدين والعلم والعقل

أنور الجندي

منشورات المكتبة العصرية

صيدا - بيروت

###143### نظرية التطور

بين الدين والعلم والعقل

نشأت فكرة التطور في مجال العلوم البيولوجية أساسًا ولكنها سرعان ما نقلت إلى مجال الفلسفة وأريد بها السيطرة في مجال الفكر والثقافة، وقد جاء ذلك نتيجة للخطوات التي اتخذها خلفاء (دارون) من أمثال هربرت سبنسر الذي حاول أن يطبق التطور على الأمور الإنسانية والأخلاق والتاريخ وقد جاءت قوى ذات أهداف معينة فركزت على فكرة التطور وأعلتها إعلاءًا خطيرًا دفعها إلى التأثير في مجال العقائد الثابتة مع أفرادها بالسلطان على كل القيم والمقدرات الأخلاقية والاجتماعية. وكان ذلك جريًا مع الاتجاه المادي الخالص الذي حاول أن يتنكر لكل ما سوى الحس والمادة من قيم، ومعنى هذا أن نظرية قد وضعت بحيث يمكن استخدامها في معارضة الأديان والعقائد والشرائع، ومن الحق أن فكرة ###144### التطور (المادي والمعنوي) لا يمكن أن تسير في غير نطاق واضح وإطار محدود وفلك معلوم، وأن هناك استحالة علمية في أن تجري حركة التطور عشوائيًا في غير نظام أو قانون يحكمها ومن هنا يبدو الفارق العميق بين رأي العلم وبين أهواء القوى التي تتخذ من النظريات العلمية والفلسفية أسلحة لتحقيق أغراض بعيدة المدى. والمفهوم العلمي الصحيح هو أن هناك قيمًا ثابتة وعناصر تجري عليها سنة الحركة والتغير والتطور وأن هناك تناسقًا يجري بين أسس الثبات وعناصر التطور وأن هذا التناسق يجري في دائرة الثبات. وهذا المفهوم العلمي نفسه يطابق مفهوم الإسلام في نظرية التطور والثبات فالإسلام يؤمن بثبات الأصول العامة والقيم العليا مع تطور الجزئيات والتفاصيل والفروع.

أولا: وبالرغم من استثراء فلسفة التطور الاجتماعي التي دعا إليها سبنسر فإن العلم كانت له وجهة نظر مختلفة تمامًا حيث يقول: الدكتور كريسي موريسون: إن حقائق الأشياء ثابتة لا تتغير وإنما التطور هو في الصور والهيئات لا في الحقائق لأن الحقائق ثابتة لا تتغير وأن القول بأن لا شيء ثابت على الإطلاق نظرية زائفة. فنزعة الطعام ثابتة والذي يتغير هو صور الطعام ونزعة اتخاذ المسكن ثابتة والذي يتغير هو صور السكن. ###145### ونزعة اللباس ثابتة والذي يتغير هو صور اللباس وكذلك فإن نزعة القتال والصراع فطرة بشرية وصور القتال هي التي تتغير. ويتفق هذا مع وجهة نظر الإسلام الذي أعطى مبادئ عامة وترك الحركة والتغيير إلى الفروع والتفاصيل إيمانًا بأن هناك قيمًا أساسية لا سبيل إلى تطورها والخروج عنها وهي بمثابة العمق للبناء. وقد كشفت الدراسات الأصلية أن التطور لا يمكن أن يكون قانونًا أخلاقيًا وليس كل طور أفضل من الطور الذي سبقه كما يقول سبنسر بل إن التطور قانون اجتماعي واقعي ولا يقتضي بتفضيل الطور الأخير على الأطوار السابقة، ذلك أن فكرة التطور الاجتماعي أخذت من فكرة التطور الحيوي (البيولوجي) والتطور في الحياة يكون تحسنًا وارتقاءًا وقد يكون انقراضًا، كذلك كشفت الأبحاث خطأ الرأي القائل بأن التطور والتقدم هو الاستجابة لنزعات النفس في السلوك بالحركة في أي اتجاه دون رعاية لاستقامة الحركة وبدون حاجة إلى إرادة وإيمان، وهذا يؤدي إلى العودة إلى العصور الأولى بما فيها من تحلل. كذلك خطأ الرأي القائل بأن التقدم هو إهدار الأحكام السابقة وتقديرات الأشياء التي قررها وحكم بها الإنسان في عصر مضى، فقد انتقل الفكر البشري من الطفولة إلى الرشد الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت