فهرس الكتاب

الصفحة 10239 من 27345

الكاتب: الشيخ د.سلمان بن فهد العودة

قصة البريئة المغتصبة"عبير"جمدت الدموع في المآقي ، فالأمر ليس مصيبة عابرة ولكنه إعلان دائم بالنواح على مصير أمة تم اغتصابها وآية النهاية لهذه الأمة أن تعجز عن الفعل الصحيح ، فإما ألا تفعل شيئًا أو تفعل الخطأ، وقد عصم الله أتباع محمد صلى الله عليه وسلم من الاجتماع على الخطأ، سواء كان توقفًا عن العمل أو كان فعلًا لما لا تقتضيه الشريعة .

وإذا وصلت الأمة إلى قاع الفشل والخيبة، فهذا مؤذن بإذن الله ببداية جديدة.

لا أقول هذا تعزية لنفوس آلمتها الجراح ولكني أقرؤه سنة إلهية وناموسًا جاريًا وأرى مبادئه في الأرواح المؤمنة التي التهبت مشاعرها ، والعقول الحية التي تتفتح للحياة وتتطلع للإبداع ، والألسنة الصادقة التي تتلو أعذب المواعيد ، وإن كان صخب الباطل يحاول إفسادها أو تأجيلها ، بيد أن قوارع الوعد الرباني تزجره (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ) (الأنبياء: من الآية18) (جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ) (سبأ: من الآية49) إنها السنن ..!

ونحن وإن كنا نشهد في مجريات الأحداث المتعلقة بالاستحواذ الأمريكي على العالم الإسلامي ، والتحالف العقدي بين الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني .. نشهد بوادر وعد الله بكشف زيفهم ومخادعاتهم ، وتعرية شعاراتهم بحرب الإرهاب ، ونشر الحرية والديمقراطية والعدالة من خلال ما نطقت به ألسنتهم وأجهزة تصويرهم وهو لا يعدو أن يكون قمة الجبل الجليدي لسلسة من جرائم العنف والسطو والاغتصاب والسرقة وإهانة المقدسات والإطاحة بالقيم والأخلاق الإنسانية .. وما خفي أعظم .. والتاريخ لا يرحم .. وسيأتي اليوم الذي يحاكم فيه زعماء الإجرام في هذه الحلبة ويدافعون ، وأقول:"إن شاء الله"تحقيقًا لا تعليقًا ، فهو آت لا محالة في هذه الدنيا ، أما محاكم الآخرة فشيء مختلف (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الانبياء:47) وإن ميوعة القضاء الأمريكي أمام أحداث جسام كهذه الجرائم البشعة المتكررة في العراق والتي لم تحاكمها الإدارة وإنما حاكمتها أجهزة الإعلام الحرة الموفقة التي فضحتها وغطتها وأحرجت تجار الحرب الأمريكيين في تسترهم وصمتهم ..إن هذه الميوعة في مواجهة جرائم موثقة في العراق و غوانتانامو وأفغانستان .. يقابلها قهر وإسراف في محاكمة مسلمين بتهم ملفقة أو زائفة أو ضعيفة كما حدث للكثير من الطلبة السعوديين الذين حوكموا ويحاكمون هذه الأيام بغير عدالة ، ومنهم أخونا الأستاذ حميدان التركي -فك الله أسره- والمسلمون قالوا ولازالوا: على الاحتلال الغاشم أن يرحل بغير انتظار ، وإلا فليتحمل المزيد من الخسائر والفضائح ، وقالوا ولازالوا: القصة لا تتعلق برحيل المحتل فحسب ،بل بانكماش القبضة الأمريكية وتراجعها وانكفائها لصالح قوى جديدة ...!

وها هنا موطن العبرة ...

فما هذه القوى الجديدة التي سنشهد حضورها ؟

يتحدث العالم عن"التصين"كظاهرة اقتصادية أولًا و سياسية ثانيًا ، وهو حديث له اعتباره ، فالمسلمون مطالبون بتنويع العلاقة والانفتاح الجاد مع هذه القوى المؤثرة وفق مصالحهم الخاصة ، فليس مطلوبًا منا أن نتواصل مع الصين حتى نعوق تحالفها مع إيران؛ لأن هذا ما تريده أمريكا ، بل نتواصل معها لننتفع بقدراتها التصنيعية والاقتصادية والعسكرية .

وروسيا التي بدأت تحاول استعادة دورها العالمي ومكانتها في الشرق الإسلامي على وجه الخصوص، وقد تخلت عن شيوعيتها الحمراء وتوسعها .. لم لا نستثمر ظرفها العالمي لصالحنا ولصالحها أيضًا ؟ إن استفراد الأمريكان بالدور العالمي كان وبالًا على العالم ، وعلى المسلمين خاصة ، وهو لم يكن استفرادًا تامًا ، بقدر ما كان تهيئة وتحضيرًا لبروز قوى جديدة تحفظ التوازن وهذه سنة الله (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ) (البقرة: من الآية251) (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج: من الآية40)

وعلينا معشر المسلمين أن نستعد لمرحلة قادمة من التدافع بين قوى عالمية، وأن نحفظ للأمريكان مواقفهم من قضايانا العادلة، وعلى رأسها القضية الأم"فلسطين"والانحياز السافر للإرهاب الإسرائيلي ضد الحق الإسلامي ..

يجب أن تكون هذه إحدى المحددات الأساسية للسياسة الإسلامية القادمة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت