د. علي الحمادي**
بالرغم من أن للوجاهة والمنصب والمكانة الاجتماعية دورا مهما في صناعة التأثير وهندسة الحياة وفتح الأبواب الموصدة، واختصار كثير من الوقت والجهد، فإن انعدامها ليس عقبة كئودا تَحُول دون التأثير الذي يمكن أن يحدثه الإنسان في واقعه ومجتمعه وأمته.
فكم من أُناس مغمورين ليسوا من أشراف الناس ولا من ساداتهم ولا من كبرائهم -بل ربما هم وآباؤهم وأجدادهم نكرات بين الناس، إذا حضروا لم يُعرَفوا وإذا غابوا لم يُفتقدوا- أحدثوا التأثير الكبير، وصنعوا ما لم يستطع غيرهم من سادة القوم أن يصنعوه، فلله درهم.
اصبر نفسك معهم
إن ديننا الإسلامي الحنيف لم يهمل الضعفاء، ممن لا وجاهة لهم ولا جاه ولا منصب، ولم يحط من شأنهم، بل على خلاف ذلك، فقد رفع مكانتهم، وجعل لهم منزلة رفيعة عند الله أولا ثم عند الناس، واعتبرهم مصدرا من مصادر النصر والتوفيق لهذه الأمة.
يقول الله تعالى:"وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا" [الكهف: 28] .
أي: احبس نفسك مع الفقراء الضعفاء، من أتباعك المؤمنين، الذين يدعون ربهم بالصباح والمساء، يبتغون رضوان الله تعالى، ولا تصرف بصرك إلى غيرهم من أهل الثراء والجاه، تبتغي بمجالستهم نيل الفخر والشرف، ولا تسمع لأولئك السفهاء الذين طلبوا منك طرد المؤمنين الضعفاء، فإنهم غافلون عن ذكر ربهم، سائرون مع الأهواء، وأمرهم فُرُط أي ضياعٌ وخسار ودمار.
رُوي في سبب نزول هذه الآية أن أشراف قريش، اجتمعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا له: إن أردت يا محمد أن نؤمن بك ونسمع كلامَك فاطرد هؤلاء الفقراء من مجلسك، فإنا أشراف قريش وسادتها، إن أسلمنا أسلم الناس، ونحن نأنف أن نجلس في مجلس واحدٍ مع هؤلاء الفقراء الصعاليك. فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم إلى ما طلبوا حرصا منه على إسلام سادة قريش، فنزلت الآية، فخرج صلى الله عليه وسلم يلتمس الفقراء، فلما رآهم جلس معهم وقال:"الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني ربي أن أصبر نفسي معهم" [رواه مسلم] .
وروى أبو داود بإسناد جيد، عن أبي الدرداء عويمر رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"ابغوني الضعفاء، فإنما تنصرون وترزقون بضعفائكم".
وهذا الحديث يدل على فضل ضعفاء المسلمين؛ لأنهم أشد إخلاصا في الدعاء، وأكثر خشوعا في العبادة، لخلاء قلوبهم عن التعلق بزخارف الدنيا.
وروى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"رب أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
ضعفاء صنعوا الحياة
إن مجاهد بن جبر، كان مولى للسائب بن أبي السائب المخزومي، إلا أنه أبى إلا أن يصنع الحياة ويؤثر في جانب من جوانبها، فكان - رحمه الله - شيخ المفسرين والقراء، وإمامهم المقدم على كثير منهم.
ولذا يقول سفيان الثوري رحمه الله: خذوا التفسير من أربعة: مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والضحاك.
ويقول الأعمش: كان مجاهد كأنه حمال، فإذا نطق خرج من فِيه اللؤلؤ، وكان ابن عمر ربما أخذ له بالركاب، ومات رحمه الله وهو ساجد.
ترى الرجل النحيف فتزدريه ... ** ... وفي أثوابه أسد هصور
ويعجبك الطرير إذا تراه ... ** ... فيخلف ظنك الرجل الطرير
ضعاف الأسد أكثرها زئيرا ... ** ... وأصرمها اللواتي لا تزور
خشاش الطير أكثرها فراخا ... ** ... وأم الباز مقلاة نزور
بُغاث الطير أطولها جسوما ... ** ... ولم تَطُلِ البُزَاة ولا الصقور
ولقد ظهر في الأمة بعد موت العبادلة الأربعة (عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمرو بن العاص) عدد من العلماء ترجع إليهم الأمة كلها، جمعيهم من الموالي وهم: مكحول فقيه الشام، والحسن البصري في البصرة، وعطاء الخراساني عالم خراسان، وعطاء بن أبي رباح في مكة، وإبراهيم النخعي في الكوفة، ويحيى بن أبي كثير في اليمامة.
وتأمل معي كذلك سيرة الفقيه القدوة عالم اليمن، طاوس بن كيسان رحمه الله، فقد ترك بصماته في هذه الحياة، رغم أنه لم يكن ذا نسب رفيع، وإنما كان مولى لبحير بن ريسان الحميري.
قال ابن حبان: كان طاوس من عُباد اليمن، ومن سادات التابعين، مُستجاب الدعوة، حج أربعين حجة. وكان ابن عباس رضي الله عنه يُجِل طاوسا، ويأذن له مع الخواص، وكان أيضا يقول: إني لأظن طاوسا من أهل الجنة.