فهرس الكتاب

الصفحة 21071 من 27345

وهذا الحسن البصري لم يكن من سادة الناس وإنما كان من الموالي، فهو مولى لزيد بن ثابت الأنصاري، وأمه مولاة لأم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها، لكنه صار بعد ذلك سيد البصرة في زمانه، حتى إن الحجاج بن يوسف الثقفي لما دخل البصرة قال: مَن سيد البصرة؟ فقيل له: الحسن البصري، قال: كيف ذلك وهو من الموالي؟! فقيل له: إن الناس احتاجوا إلى علمه، واستغنى هو عما في أيدي الناس.

وصدق ابن الرومي حينما قال:

وللمجد قوم ساوروه بأنفس ... ** ... كرام ولم يرضوا بأم ولا أب

نماذج عالمية

وهذه"مارجريت تاتشر"، كانت بائعة مغمورة في متجر في بريطانيا، لكنها قررت أن يكون لها دور فاعل في الحياة، فكان لها ما أرادت، ولا أظن أحدا يجهل هذه المرأة التي أصبحت في قمة الهرم البريطاني، ورأست مجلس وزراء بلادها لأكثر من دورة انتخابية.

ولم يكن"جاك شيراك"صاحب وجاهة ولا منصب، وإنما كان عاملا بسيطا في مطعم في الولايات المتحدة الأمريكية، لكنه كان ينظر إلى القمة، فلم يرضَ لنفسه أن يستمر في وضعه المتواضع، لذا قرر أن يسلك طريقا آخر، فكان أن انتهى به المطاف بعد أربعة عقود ليصبح رئيسا لفرنسا.

ولما انتُخب"شيراك"رئيسا لفرنسا، وزار الولايات المتحدة الأمريكية، تحدث في مؤتمره الصحافي مع كلينتون عن الفترة التي أمضاها في شبابه في الولايات المتحدة الأمريكية، فقال:"منذ أربعين سنة كنت أعمل في مطعم هوارد جونسون في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم أتخيل أبدا أنني في يوم من الأيام سأقف في البيت الأبيض إلى جانب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية في مؤتمر صحافي".

و"نابليون بونابرت"كان ضابطا صغيرا، ثم ترقى حتى أصبح إمبراطورا لفرنسا، وسمع به القاصي والداني، وما زال الناس يؤرخون الأحداث التي صنعها.

و"لولا داسيلفا"كان ماسحا للأحذية ثم استطاع بعد سنوات أن يكون رئيسا للبرازيل.

و"هوفر"كان بائعا للصحف في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم أصبح بعد ذلك رئيسا لها.

إن الأمثلة كثيرة في هذا المضمار، كما أن التاريخ وواقع الناس مليئان بالشواهد والأدلة، وما ذكرته غيض من فيض، وعزاؤنا في ذلك قول القائل:

تكفى اللبيب إشارة مرموزة ... ** ... وسواه يُدعى بالنداء العالي

إن ما أود التذكير به والتأكيد عليه والتنبيه إليه، يكمن في أمرين مهمين وهما:

1-ألا نستضعف غير الوجهاء، ولا نستخف بمن لا جاه له ولا منصب ولا مكانة اجتماعية، فإن أكرم الناس عند الله أتقاهم، وأنه ليس بين الناس وبين الله نسب إلا نسب الإيمان والعمل الصالح والتقوى، كما أن الأيام دول، فقد يسود غير الوجيه، ويتقدم الناس غير شريف النسب، ويقود من لم يكن من أبناء القادة والعظماء.

2-على الضعفاء وغير الوجهاء ومن لا جاه لهم ولا مكانة اجتماعية، ألا يحتقروا أنفسهم أو يهمشوا من أدوارهم أو يستسلموا لغيرهم، وإنما ينبغي أن يدركوا أن لهم سلفا ممن هم بمثل حالهم وظروفهم، أبقى الله أثرهم وخلّد ذكرهم ليكونوا قدوات شامخة لمن يأتي خلفهم.

** رئيس مركز التفكير الإبداعي بدولة الإمارات، والمشرف العام على الموقع الإلكتروني"إسلام تايم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت