تفسير سورة ( ص )
الجمعة 24 ذي الحجة 1397 / 2 كانون الأول 1977
( 4 من 5 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
في نطاق حديثنا عن السورة السابعة والثلاثين في سياق التنزيل سورة ( ص ) تحدثنا في الجمعة الماضية ساعة وبعض الساعة ونحن نتحدث عن بعض آية عن قول الله جل وعلا في مفتتح السورة ( بل الذين كفروا في عزة وشقاق ) وكانت الوقفة مقصودة ، وقلت لكم حينها إنني أريد أن نتعلم كيفية التعامل مع النص القرآني ، فإن الفهم المستقيم لمعاني كتاب الله جل وعلا وقضايا الإسلام يتوقف على حسن التعامل مع نصوص القرآن الكريم ، ولعلكم لاحظتم في الجمعة الماضية أنني اعتمدت قاعدة التحليل اللغوي بصورة أساسية في كل الحديث الذي كان في الجمعة الماضية ، وأنا أصدر في ذلك عن أمر يجب أن تعرفوه وأن يعرفه كل أحد من المسلمين الذين يرغبون أن يكون لهم في الدعوة إلى الله نصيب ، وأسأله تعالى أن يقسم لنا نصيبنا من هذا الشرف الذي لا يتاح إلا للصفوة التي اختصها الله جل وعلا بمحبته وبرضوانه .
والشيء الذي أصدر عنه ويجب أن تعرفوه كنت أريد أن أكون في حالة صحية تساعد على إيضاحه ، ولكن ما لا يدرك كله لا يدرك جله . إن من قصور المنهج أن نعتمد الأساس اللغوي في فهم الكتاب وحسب ، ومن الحق أن هذا ضروري ، ومن كان لا يحسن فنون كلام العرب التي نزل القرآن وفاقًا لها فليس يجوز له أن يتكلم في كتاب الله شيئًا ، ولكن من الصحيح أيضًا أن الذي لا يملك قدرة ذوقية معينة تتيح له استشفاف فحوى الكلام وإشارات الكلام فلا يجوز له أن يتكلم في كتاب الله شيئًا ، ومن الحق أيضًا أن هذين فقط لا يكفيان فإن الذي لا يدرك أن كل سورة من سور القرآن تمثل شخصية قائمة على حيالها لمختلف أغراضها وتعابيرها وإيحاءاتها ، وأن سور القرآن جميعًا وآيات القرآن جميعًا بينها من التناسب والارتباط ما لا يخطئه إلا قصير النظر ، إذا عرفنا هذا تبين أيضًا أن الذي ينبغي أن يتحدث في كتاب الله لا بد لها من أن يملك هذه القدرة الخاصة على استخلاص المعاني الكبيرة المتولدة عن ملاحظة التناسب بين آيات الكتاب الكريم وسور الكتاب الكريم .
وهذا كما ترون كلام يتعلق بالمنهج ، أقوله ليعرفه كل أحد ، ففي ما يبدو لي أن الله تعالى قضى ألا يضع بين يديّ إلا هذا اللسان ، ولو أنني أمتهن الكتابة لكان ذلك خيرًا لي ، وهذا كلام يقال للعاتبين والطالبين والغاضبين ، لأن الذي يكتب ما يريد يستريح من هذا الشيء الذي يكتبه ويلقيه عن كاهله ولا يعود إليه إلا لمامًا ، ولكن من ضُرب عليه العبئ الثقيل مثلي فإنما يعيش كل آناته معذبًا ممزقًا يعيش مع الأفكار مع حركة الأفكار مع استهلاك الأعصاب مع التفكير الذي يطرأ حتى أثناء النوم ، ومن أجل ذلك أريد للإخوة أن يعرفوا أولًا حدود المنهج حتى إذا غاب الشخص المعول عليه كان بين الناس سراج يستطيعون أن يستضيئوا به ، ومن المحن القاسية أن تكون الأمة مفتقرة إلى قدرة رجل واحد .
منذ بدايات الطريق قلت إنني أرغب لكل أخ أن يعيد درس هذا الشيء الذي نقول وأن يناقش معي هذا الشيء الذي نقول ، وأن يعرف بكل جلاء وصدق أنه صاحب الفضل علي حين يناقشني في هذا الذي أقول ، ولكني أسجل أسفي وخيبة أملي وانقطاع رجائي بعد سنوات ما وجدت لا هنا ولا هناك إلا شيئًا واحدًا يدل على التجمد وانعدام الفاعلية وضعف الهمة وتقاسم القوى ، ناس يريدون أن يطبعوا الأحاديث كما هي ، وناس يلحون علي أن أكتب لهم ، ولعمري إنها لخيبة وخيبة كبيرة ، فكل واحد من المسلمين يملك أن يكون خيرًا مما أنا عليه ، ولماذا نعوّد أنفسنا هذا الخلق الرديء الذميم الملقي العبئ من كتف إلى كتف ، وتقوم الحصيلة ألا يستقر على كتف أحد ، إنني للمرة أخيرة أهيب بكل الإخوة أن يعطوا من ذوات أنفسهم قدرًا زائدًا من الاهتمام بكتاب الله جل وعلا ، وما أهوّن عليهم الطريق ، فبعد اثنتين وثلاثين سنة قضيتها في العمل الشاق المرهق الصعب لا يخرج معي إلا هذا الكلام الغفي والأفكار التي لا أرضى عنه . فالطريق صعب ولكن لست حالة أمام همم الرجال ، فأنا أستنهض همم إخوتي لكي يمنحوا قضية القرآن والإسلام أكثر مما منحوها حتى الآن لا سيما ونحن نعيش ظروفًا حساسة بالغة الحساسية خطيرة غاية الخطورة .