فهرس الكتاب

الصفحة 26252 من 27345

ومن أعظم آياته هذا الماء الرقراق، والسلسبيل المتدفق، الذي به قوام الحياة، وأساس البقاء: { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ } ... [الأنبياء:30] ، والماء بناؤه غريب وخبره عجيب، فإذا تدفق الماء، وأقبلت أمواجه، أقبل معه البشر والعطاء والنماء والرغد والهناء، بالماء تقوم الحقول، وتتكاثر الحبوب، وتميس الحدائق، وتهمهم الجداول، وتتراقص الخمائل، وتشدو البلابل، وتتمايل السنابل.

يأتي إلى أحبابه فيميس بين الزهور، ويتجول في الحدائق، كَيَدِ الطبيب على جفن المريض، ويقبل إلى أعدائه فيزبد ويرعد، ولا تمنعه السدود، ولا ترده الحدود، فيكسر الجسور، ويقتلع الصخور، ويدمر البيوت، ويجعل عاليها سافلها حتى يأذن الله بسكونه، ويأمر بهدوئه، قال تعالى: { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي } ... [هود: 44] ،فهو جندي من جنود الخالق.

من سيول يمجها الواديان وثلوج يذيبها العصران

ذو استواءٍ إذا جرى والتواءٍ هل تأملت مزحف الأفعوان

فهو حيث استدار وقفُ لجينٍ وهو حيث استطار سيفُ يمان

إن مسته رحمة الله كان لطفاً وهناءً وبركة، وإن مسه غضب الله كان دماراً وهلاكاً وسخطاً ونكداً، قال تعالى: { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } ... [الأعراف:84] .

وقال تعالى: { وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُوراً } ... [الفرقان: 40] .

إن الله تعالى يسلط حرارة الشمس على المحيطات والبحار فتتبخر فيصعد إلى السماء ماءً عذباً لا ملوحة فيه، فسبحان الله العظيم، يرفع ماء البحر بخاراً ولا يرفع معه الملح الممتزج به! { أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ 68} أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ { 69} لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ... [الواقعة: 68 - 70] ـ أجاجاً يعني: مالحاً لا يطاق ولا يشرب ـ ومن حكمة الله أن هذا البخار المتصاعد في السماء لا يستمر في صعوده إلى القمر أو المريخ فيصب هناك وتحرم منه الأرض، بل يتكثف في طبقات الجو العالية، حيث درجة الحرارة منخفضة، ويرفع في السماء لكي يبتعد عن مستوى الجبال لئلا تعوق انتقاله من بلد إلى بلد، فبعد أن يتكون السحاب الركامي، ويتكثف ويتجمع ويصدر أمر الله إليه، يهبط حيث يريد مولاه، ويأمره خالقه { اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ 48} وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ... [الروم: 48 ، 49] .

ومن لطف الله تعالى بعباده أن ينزل عليهم هذا الغيث بقدر، فلو سقطت جبال السحاب الكثيفة الهائلة كما هي لهلك الناس.

هذا الذي أنزل سيلاً في البلد فكيف لو صَبَّ جبالاً من بردْ

أنزله رفقاً بنا مدْرارا وبعضَه سخره أنهاراً

ومن لطفه تعالى أنه إذا أنزل الماء لم يبقه متجمعاً فوق الأرض فتصبح الأرض غير صالحة للسير عليها، بل سلكه ينابيعٍ في الأرض وحفظه في الآبار والعيون { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ } ... [الزمر: 21] .

فهو تعالى يحفظ هذا الماء في صحون من الصخور الجوفية من غير أن يغور ويعمق في الأرض { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ } ... [الملك:30] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت