محمد بن حمد الدريهم 19/9/1425
جلست أتأمل مليًا قوله تعالى: ( وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم) . [الأنفال:63] وقوله: (... تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتى...) . [الحشر:14] في الآية الأولى ترى المِنة الربانية والهبة الإلهية لعباده المؤمنين .. حيث تأليف القلوب وقربها واتفاقها واجتماعها .. وتذهب بك الآية مذهبًا بديعا آسرًا حيث تؤكد لك ولجميع أهل الأرض أن هذا التأليف والجمع للقلوب إنما هو برحمة من الله وفضل، وأنه لا كنوز الأرض ولا أموالها تقدر على زرع المحبة وجمع القلوب وإحداث المودة الصادقة.. بل إنما حصل هذا التأليف ببركة الإيمان بالله -تعالى- وتصديق رسوله وطاعته واتباعه..
في المقابل نجد حديث ربنا عن قوم آخرين.. حادوا عن طريق الهدى.. ولم يدخل الإيمان قلوبهم .. ويا لسحر هذا القرآن.. وعظيم بيانه.. وبديع إعجازه (تحسبهم جميعًا ) إنك حين ترمقهم لأول وهلة تُصاب بإعجاب وإكبار لهذا الاتحاد والائتلاف والاجتماع ..بينما الحقيقة التي عرّاها وأبانها القرآن (وقلوبهم شتى) فقلوبهم متفرقة لا أُلفة بينها ولا محبة ولا رحمة ..إن بينهم من الإحن والعداوات مالا يظهر في الخارج لكنه مستقر ومغروس في باطنهم ..فلا يتعاضدون حق التعاضد ولا يرمون عن قوس واحدة ..ولذا جاء في قراءة (وقلوبهم أشت ) أي شديدة التفرق وبعيدة عن الاتفاق .
إن القلب هو ملك الجسد ..وهو الآمر الناهي عليها ..وبقية الأعضاء جنود له مطيعون له. ولذا فإنه إذا امتلأ محبة لإخوانه وحرصًا عليهم فإنه يسعى إلى تحقيق هذا المعنى العظيم ..إن روح الجماعة في الإسلام ؟؟وروح الجماعة في القرآن والسنة مما يطول بذكره المقام ولا يسعه ألف مقال ..إن الاجتماع والائتلاف هو أقسى ما يمكن أن يراه المبغضون لهذا الدين ..وإن الفرقة والبغضاء والشحناء والحسد والكراهية حين تنتشر في جسد الأمة فإنها تُفرح العدو وتجعله قادرًا على التغلغل في جسد الأمة .
تأمل نصوص القرآن ..وطالع نصوص السنة النبوية ..ستجد مئات النصوص التي تحذر من الظلم والبغضاء والحسد والكراهية والظن السيئ والغيبة والنميمة والكذب ..
والقائمة لا حصر لها من السمات السيئة ..تأمل هذه الصفات جيدًا .ستجد أنها كلها تساهم في إحداث الفرقة وزرع الإحن والشحناء.
إننا أحوج ما نكون فيه إلى زرع المحبة بيننا .. هذه المحبة المتفرعة من الإيمان بالله .. هذا الإيمان الذي يظللنا ويجمعنا تحت هذا المعنى العظيم .. وبتنا أيضا مطالبين فيه أكثر من أي زمن مضى بنزع فتيل الخلافات والعداوات التي لا تقدم خيرًا لنا ولا للإسلام ..ما أجمل أن يكون المسلمون يدًا واحدة وجسدًا واحدًا ..كما قال عليه الصلاة والسلام:"مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)."
لم يكن الخلاف ..ولم تكن الفرقة في يوم لتحقق مجدًا أو تحدث نصرًا .بل الأمر بخلاف هذا ..فبقدر اختلافنا وفرقتنا تحدث المصائب ويتداعى علينا الخصوم .. يجب أن تعلو أصوات المخلصين الذين يسهمون في جمع الكلمة وتوحيد الصف قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة ) وقال تعالى: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم) . [الحشر:10] وقال صلى الله عليه وسلم:"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره"وقوله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا وكونوا عباد الله إخوانًا"."
إذا كانت المسألة متعلقة بأمور اجتهادية. فلِمَ تُضيّع الأعمار والأوقات في إثارة الجدل والخلاف حول مسائل لكل قائل بها دليله الذي يدين لله تعالى به، ولا إنكار في مسائل الخلاف .. لنبحث عن أمور هي أكثر نفعًا للأمة وللمجتمع وللحضارة وللإنسان ..
لنعوّد أنفسنا على خُلُق الرحمة والعدل والمرونة والسهولة واللين.."فما خُيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا""وما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه".
ليكن تعاملنا مع إخواننا مبنيًا على الرحمة والمحبة والمودة.. فلا التعنيف ولا الجدال يثمر أو ينتج شيئًا..
إن سفينة الأمة مرهون نجاتها بتضافر الجهود وتكاتف الأيدي .. وكل واحد منا يجب أن يستشعر أنه مطالب بتقديم شيء مما يمكنه من القدرات والمواهب لخدمة إخوانه ومجتمعه ودينه..