فهرس الكتاب

الصفحة 23811 من 27345

مفهوم الاتفاق في العمل الإسلامي

د. يحيى عبد الله*

الحمد لله القائل: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحًا والذي أو حينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) .

والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي وجَّه أمته في أدائهم شعيرة من شعائر الإسلام بعد الشهادتين وهي الصلاة أن تُسوى الجماعة صفوفها ولا تختلف، كما جاء في السنن: (( لتسوُّن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم ) )؛ إشعارًا بالوحدة والتكامل، ووجَّه على أن يلين الناس في أيدي إخوانهم ولا يتأبَّوا, وأن الجماعة المسلمة توجِّه قياداتها ولو في داخل الصلاة حيث يقول المأموم لإمامه إن نسي أو أخطأ:"سبحان الله"وهذا إن دلَّ فإنما يدلُّ على أن المؤمنين كلهم يسيرون تحت سلطان الله الشرعي طوعًا وإذعانًا لله رب العالمين، كما يسيرون تحت سلطان الله القدري من جملة المنظومة الكونية.

وعليه فمن كانت معه حجة الشرع فهو الأعلى والأجدر بالطاعة، وجانبه هو الموصوف بالقوة والعزة سواء أكان تابعًا أو متبوعًا (إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز) .

ولا تقدُّم بين يدي الله ورسوله في بيئة المؤمنين فالحق ضالة المؤمن.

وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه؛ ففقهوا عن الله مراده، وميَّزوا بين الثوابت والمتغيرات، وحفظوا للأخوة الإسلامية حقها، حتى إن عليًا رضي الله عنه قال في حق الخوارج الذين ناصبوه العداء وقد سئل عن كفرهم:"من الكفر قد فروا"، واستطاعوا إحداث معايير تستوعب متطلبات عصرهم، فلم تكن النصوص التي حفظوها والعمل الذي ورثوه مكبِّلًا لهم، بل فتح أمامهم أبواب المقاصد والغايات مشرعة؛ فولجوا فيها على بصيرة، فكانوا أهلًا لحفظ التراث والقدرة على المعاصرة، وإن أدب الخلاف عندهم و إسداء النصح والتعامل مع المخالف في الرأي، والقدرة على التجاوز سمة منهجهم، ولذلك لما خفي هذا الأدب على بعض المتأخرين وظن التنوع تضادًا انبرى البصراء لرد الأمة نحو منهج السلف في الخلاف، ومن ذلك ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية بعنوان"رفع الملام عن الأئمة الأعلام".

وعليه فإن من الممكن التعامل على أساس: من لم يكن ضدي فهو معي، أعني جمع الطاقات أو تحييد بعضها للاستفادة في مرحلة الدفع العام، وأما البناء الداخلي فله حديثه الخاص به فمن المطلوب أن يستسلم الناس وإن لم يؤمنوا. ومن المعلوم أنه لا تعارض بين الصفوية والجماهيرية في العمل الإسلامي؛ لأن القرآن يتحدث عن الصفوة بمميزاتها، كما يتحدث عن الجماهيرية وعللها ومشكلاتها وكيف التعامل معها.

فما جاء في قوله تعالى: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا..) يجدر أن يكون حديثًا عن الصفوة، كما إن فحوى قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا) منذر باستعداد آخر وتعامل مغاير لما يتعامل مع الصفوية؛ ولذلك تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة بالعفو و الصفح وقبلهم على علاتهم، وأعطى الأموال الضخمة يوم حنين للأعراب، فكان هذا التصرف داعيًا للاستفهام والاستيضاح، فكان الموقف المشهور من الأنصار, وكيف أبان النبي صلى الله عليه وسلم السبيل بألطف السبل، واطمأن الناس بعد إيضاح السبيل، فبالصفوية يكون الثبات وبالجماهيرية يكون الانتشار, فالذين يعتنون فقط بالجماهيرية يفتقدون الرجال القدوة, والذين يعتمدون الصفوية يفقدون الانتشار ولذلك ينبغي اعتماد الأسلوبين.

فإذا استبان الهدف للجماعات الإسلامية فلا يعوزهم شيء من الاتفاق نحو تحقيق الهدف, وسيرة المسلمين حافلة بالعبر، ومقاصد الدين تدعو لتحقيق أولى المصلحتين ودرء أعظم المفسدتين، وما التردد من الاتفاق بعد سبر أحوال المسلمين وهجمة أعدائهم عليهم إلا بسبب الجهل بأدوات الفهم بالشرع، أو جهل مقاصده, أو اتباع الهوى.

وبناء على ما تقدم فإن المؤسسات الدعوية لو تبيَّنت طريقها، وأحكمت أدوات الفهم لنصوص الدين وللواقع الظرفي، وأخلصت سرائرها لله رب العالمين؛ فلا تجد إشكالًا في الاتفاق مع الحفاظ على الخصائص النوعية.

وإن طبيعة النصوص الشرعية تقتضي اختلاف التنوع، وكذلك طبيعة البشر والظروف الزمانية والمكانية كذلك، وعليه فإن الاعتراف بالتنوع والتكيُّف معه هو الوضع الطبيعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت