فهرس الكتاب

الصفحة 23812 من 27345

وبناءً على هذه المقدمة فإن الصحوة الإسلامية بشعبها المختلفة ينبغي أن تصلح أوضاعها الداخلية: من طبيعة عملها، وأوضاع أفرادها، وأدوات فهمها، وطرح برامجها، ووضوح مؤسساتها، وأهلية قادتها، وآلية الرقابة والتسديد لعملها، وفهم واقع أمتها. فإن إصلاح ذلك كفيل بأن يمنحها الفهم لإجادة المدافعة الإيجابية؛ لأن الذي لا يدافع لا ينمو، وفي سبيل ذلك ينبغي الحفاظ على الأهداف والأنظمة أكثر من الحفاظ على الأفراد؛ فعند ذلك يحصل الاتفاق على الكليات، وتسود روح المنافسة على الخير، وتبقى الحكمة ضالة المؤمن، وعليه فلا غرابة إن ركزت الورقة في الأوضاع الداخلية أكثر من العلاقات التكاملية, لأن الثانية نتيجة تلقائية لرشد الأولى.

وإذا لم تأخذ الصحوة الإسلامية بالأسباب الكفيلة لإحداث الاتفاق فإن الأماني والأحلام المجردة لا تزيد المتشبث بها إلا تيهًا وضلالًا، يقول الله عز وجل: (ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيءٍ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب) . فزيادة التتبيب جاء من طلبهم الشيء بالأسباب التي لا توصل إلى المقصود.

العموم والخصوص

لابد للتجمعات الدعوية أن تراعي خصوصيات الزمان والمكان واختلافات المجتمع تقدمًا وبطأً، وأن توفِّق بين متطلبات المحل ورعاية حق الأخوة في الدين عالميًا، وأن ترجح ما هو أولى إن اقتضى الأمر وضاقت القُدَر عن التجاوب على الصعيدين في آن واحد. وعليه فإنه حُقَّ للإسلاميين في كل بلد أن يراعوا خصوصياتهم الظرفية، وأن يضعوا أقدامهم على صعيد واقعهم المعين؛ ليمكنوا صروح العلا على أرض صلبة، دون افتتان بتقليد عالمي يقطعهم عن أصول التحديات الفعلية التي يتغذى بها الإيمان ويتعين إزاءها التكليف.

وحقيق للإسلاميين أن لا يقعوا فرائس للعصبية التي تفتنهم بخصوصياتهم الظرفية والمحلية.

ففي دين التوحيد يلزم التوازن بين المرحلية الزمانية والاتصال الأبدي، وبين المحلية المكانية والامتداد الأرضي، أو بين النسبية حسب ظروف الزمان والمكان و المطلقية خلودًا أو وجودًا (1) .

وقال عمر بخيت:"إن الضرورة تقتضي أن تنحصر جهود الجماعات الإسلامية في أطوارها الأولى في البلد الذي نشأت فيه؛ لأنه لا يمكن لها من الناحية الواقعية أن تبعثر جهودها الضئيلة على بلدان أخرى بعيدة عن مكان نشأتها، وغريبة عن تجاربها في الحياة، كما اتسمت بذلك دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مطلع أمرها بما وجَّهته من عناية خاصة بأم القرى وما حولها" (2) .

إن اختلاف المجتمعات الإسلامية يحدد نوع الاستجابة المناسبة لتحديد الواقع، ويعرض على كل حركة إسلامية تعاملًا مخصوصًا مع خصوصيات مجتمعها وابتكار الوسائل المناسبة لذلك، دون تقليد لتعاملات أخرى في واقع مغاير، أو نقل لوسيلة غير مناسبة دون تكييف أو تحوير، وانشغال بشأن المسلمين العام عن واجباتها المتعينة التي يتغذى بها الإيمان ويتعيَّن إزاءها التكليف، فقد يكون هم المجتمع الاقتصاد لكونه فُتح له باب الغنى، أوهمه قضايا المعيشة والتنمية والعدالة، أو مثقلًا عن النهوض بقيادات دينية تقليدية تري كل الجديد دخيلًا والتجديد تغييرًا للدين، أو كان معوزًا بولاءات عرفية أو عرقية، أو مفتونًا بقيادات لا دينية مادية تستخف بالغيب وتركن إلى الأدنى، وقد يكون في المجتمع فساد في انتمائه للملة في عقيدته أو عبادته أو خلقه من جراء نقص في بنائه الديني وتلقيه للرسالة بصورة منحرفة عن ما هي عليه أو طارئ أدخل عليه العلة والانحراف.

أو يكون المجتمع محافظًا متدينًا في خاصة حياته لا يكاد ينقصه إلا النظام الإسلامي العام والشريعة الحاكمة.

أو يكون المجتمع قائمًا بعاطفة دينية جياشة بالطاقات لم يواكبها علم أو فكر يرسم لها قنوات المسير الحكيم، وأعوزها انتظام أو قياد يحفظها من التبدد شتاتًا والشقاق شيعًا.

وقد تكون السلطة السياسية في بلد التيار الدعوي قائمة بمشروعية منتسبة إلى الدين الإسلامي تجامل التيار الإسلامي صدقًا أو سماحة من حيث هو دعوة وخلق، ثم تتحامل عليه غيرة وفزعًا من حيث هو مشروع للتغيير.

وقد تكون السلطة ذات انتماء إلى الدين وأهله، ولكن يحملها إرهاب العدو الخارجي على التحامل على الدعوة والدعاة؛ فتستجيب رغبة في البقاء في السلطة، ورهبة من بطش العدو، أو فقدان السلطة.

إن المتتبع لواقع المجتمعات الإسلامية المعاصرة المهتم بأمور المسلمين يستطيع إدراك هذه الخصوصيات وغيرها الكثير، والمغزى من الإلحاح على هذه الخصوصيات هو مغزى عملي يلزم كل جماعة أن تشتغل بابتلاء معين حتى توفِّيه حقه ثم تتقدم لاستكمال كمالات الإسلام الشاملة حسب أولوياتها اللازمة والميسورة (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت