فهرس الكتاب

الصفحة 23304 من 27345

المعز لله صالح البلاع*

الحمد لله رب العالمين، الهادي إلى الصراط المستقيم، والصلاة السلام علي سيدنا محمد صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:

يبدو عالم اليوم منقسما علي نفسه، بعضه قائم على الأخلاق مهمل لقوانين السلوك البشري الشرعية مهمل لقوانين الطبيعة، والآخر يعكف على الطبيعة علم أسرارها ووظفها. مضربا عن مكارم الأخلاق، قائلا بنسبتها لا حتميتها...

فهل هذا هو قدر العالم حتمًا أم أمر طارئ في عالم اليوم؟ وهل الإنسان يستطيع أن يجمع بين التقوى والتقانة ؟ ثم بأيهما تتحقق سعادته بالجمع أم بالفرق؟ وإذا كانت السعادة للبشر تتحقق بكلا القانونين الطبيعي والشرعي، فما هو السبيل إلى تحقيق هذا الجمع؟

لعل هذا المدخل يمهد لنا دخول الموضوع بشرعية فقهية معاصرة تحاول معالجته المعالجة الفكرية المتبصرة والمتفتحة نحو المعرفة التي تعتبر سلعة ذات منفعة عامة تدعم الاقتصاديات والبيئة السياسية والمجتمعات.

شهد العالم بعض التحولات الكبرى السياسية، والعسكرية، والفكرية، والتقنية أو الاقتصادية وسواها وبنسب مختلفة، تركت آثارها في منظومة العلاقات الاقتصادية، وكان المسلمون في قلب الحدث المتغير فاعلون فيه ومنفعلون به يحيوا في خضّم مسبباته وتطوّراته وتداعياته [1] وتعد تكنولوجيا المعلومات وضمنها البرمجيات ، من أهم دعائم هذه التحولات الاقتصادية . مع وجود رغبة دفينة أو معلنة منذ فترة في التوسع والسيطرة التي تمثلها العولمة لكن هذه التحولات على أهميتها لا تمثل سوى صورة بسيطة باهتة من تلك الحملة الهائلة التي انطلقت رسميا بعد الحرب العالمية الثانية، وفعليًا في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات مع تفكك الاتحاد السوفيتي، وانفجار ثورة الالكترونيات وبداية عملية الخصخصة وتحرير السوق وإعادة الهيكلية الاقتصادية وقيام منظمة التجارة العالمية عام 1994 [2] .

وصهر المبادلات التجارية وتنقل رؤوس الأموال وعوامل الإنتاج والسلع، بما في ذلك التكنولوجيات الحديثة على أنماط القيادة الاقتصادية والسياسية، والاقتصاديات القروية والوطنية والإقليمية في اقتصاد عالمي موحد بعد أن صار العالم سوقًا واحدة، وإن التجارة العالمية تبدو وكأنها في نمو مطرد يستفيد منه الجميع بعد أن غدا العالم قرية كونية متشابهة النمو ومتلاحمة بجميع أجزائها، وخاصة بعد الدور الذي لعبته الأقمار الصناعية وشبكة الانترنت ومختلف أشكال ثورة الاتصالات الرقمية [3] .

يفرض هذا الطرح الأسئلة التالية:

ما هي التحولات والمتغيرات الاقتصادية في عالم اليوم؟ وأي مستقبل اقتصادي للمسلمين في عالم العولمة وتحرير الأسواق؟

التحولات الاقتصادية:

تتزاحم المتغيرات الاقتصادية [4] في كل اتجاه وتتعاظم حجما وأهمية لتبلغ حدود التغيير الكامل أحيانا وتشمل شتى المجالات لاسيما مجال إعادة الهيكلة بعناصرها المختلفة.

تفرض التحولات الاقتصادية، كما بات واضحا إعادة هيكلة شاملة تتضمن المجال الاقتصادي وجميع جوانب الحياة الاجتماعية سياسيا واجتماعيا وثقافيا ويلخصها البعض في المؤشرات الأساسية التالية: [5]

1/ تراجع حجم الدولة كمؤسسة، بالمعنى الاقتصادي على الأقل، لمصلحة دور أكبر يتولاه القطاع الخاص. وقد بدأ الترويج لهذا التطور منذ وقت طويل، منذ السبعينات خاصة مع تفشي سياسات الخصخصة"الخوصصة"وتحرير الاقتصاد، إلى درجة أصبحت معها مفاهيم عديدة موضع تساؤل لعل أهمها مفهوم سيادة الدولة والأمن القومي الشامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت