2/ تنامي دور الشركات المتعددة الجنسيات، التي لها عالمها الخاص وأنظمتها الخاصة لرجالها المتعددي الجنسية أيضا وعملاتها وأمنها… والتي كبرت بسرعة في ظل التطاحن فيما بينها، وفي ظل عمليات الدمج حتى بات العديد منها أكبر من دول كبرى. وبلغ عدد الشركات نحو 30 ألفا ، وصل إجمالي أعمالها إلى أكثر من نصف الناتج العالمي القائم، وتقدر أصول هذه الشركات بنحو 92 تريليون دولار وعدد العاملين فيها بنحو 35 مليونا . واستنادا إلى تقارير البنك الدولي ، فإن حجم أعمال خمس شركات رئيسية تجاوز في عام 1996 مجموع الناتج المحلي القائم لدول آسيا الجنوبية وأفريقيا جنوب الصحراء والدول الأكثر فقرا في العالم . وبدأ المحللون يتصورون عالمًا مقبلًا من الشركات ،أو كما يسميه البعض العالم الشركة، بمجلس إدارة موزع في أنحاء العالم متجاوزًا حدود الدول وسيادتها . ويسيطر عدد من الشركات على جزء مهم من السوق العالمية ، إذ تعد هذه الشركات الأرض كلها سوقًا كبيرًا لها، بما فيها ومن فيها بحيث تتنافس في اقتسام هذه الأراضي دون أي اعتبار لقيم أو أخلاق ، وهي نادرًا ما تدخل في شكل استثمارات مباشرة طويلة الأمد وإنما تدخل بما يعرف بالأموال الطائرة ، في استثمارات قصيرة الأجل وسريعة الفوائد والتي تحقق لها عوائد هائلة دون أن يكون لذلك مردود على التنمية المحلية، بل تفاقمت معها ظواهر الفساد المالي (غسيل الأموال) والرشوة والعمولة والسمسرة وما إليها.
رغم التسهيلات والضمانات السياسية والاقتصادية التي تقدمها الدول النامية لهذه الشركات العملاقة ، وبما أن هذه الشركات يهمها الربح أولا وأخيرا. نجد اغلب الاستثمارات التي تقدمها في قطاعات غير منتجة تقتصر على السلع الاستهلاكية ذات العائد الأسرع مما يجعل مردودها على مستوى الاقتصاديات المحلية لتلك البلدان ضعيفًا.
هذا ، وأن الشركات المتعددة الجنسيات أدى تطورها وتضخمها إلى تعميق العولمة اقتصاديًا ،وتعدد أنشطتها في كل المجالات: الاستثمار والإنتاج والنقل والتوزيع والمضاربة ، ووصل الأمر إلى أنها قد صارت تؤثر في القرار السياسي والبعد الثقافي والمعرفي [6] وفي ظل انفتاح الأسواق مع بعضها استطاعت هذه الشركات الاستفادة من فروق الأسعار، ومن نسبة الضرائب ومن مستوى الأجور لتركيز الإنتاج بالمكان الأرخص (في إطار ما يسمى ببرامج الشراكة) وبعد ذلك ينقل الإنتاج إلى المكان الذي يكون فيه مستوى الأسعار أعلى ويتم تسويقه هناك.
3/ انتشار برامج إعادة الهيكلة والتثبيت الاقتصادي ، وما سبقها من تحرير للأسواق في اتجاه دور أوسع لقطاع الخدمات على حساب القطاعين المنتجين للسلع ( الزراعة والصناعة) . ويتصور بعض المحللين هيكلة ذات غلبة حاسمة للقطاع الخدمي تماما.ومع التغيير الملفت في الهيكلة الاقتصادية يسجل تغيير أيضا في آليات الإنتاج فتغزو التقنيات الآلية الالكترونية نظم العمل والنشاط الاقتصادي على حساب المساهمة البشرية التقليدية ، ويفقد عدد متزايد من السلع عمقه الإنساني كما تلغى الوظائف بمعدلات متزايدة وارتفاع معدلات البطالة وبطالة حاملي الشهادات الجامعية خاصة.
4/ بالإضافة إلى ذلك ، برزت مسألة تحرير الأسواق المالية والنقدية ، التي تخلت عن معظم الضوابط التقليدية التي كانت تسيّر العمل المصرفي والنظم النقدية لعهود طويلة . وكان من نتيجة ذلك أن الكتلة النقدية في ضوء عمليات التحرير هذه ، لم تعد خاضعة للسلطة النقدية المحلية (البنك المركزي) فعمليات دخول وخروج الأموال ، على نطاق واسع وبالمليارات تتم في ومضات سريعة على شاشات الكمبيوتر ، وعلى نحو جعل السلطة النقدية المحلية تقف عاجزة عن الدفاع عن أسعار الصرف وأسعار الفائدة وأسعار الأوراق المالية في البورصات . هكذا تحول العالم رهينة في قبضة حفنة من كبار المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والأوراق المالية التي توفرها البنوك وشركات التأمين والمعاشات .
وسبب هؤلاء المضاربون أزمات أصبحت تشير إلى مقدرتهم الفائقة على التحكم في رفاهية أو فقر أمم ودول برمتها ، دون أن توجد أي سلطة ، محلية أو عالمية لمحاسبتهم أو ردعهم.