فهرس الكتاب

الصفحة 711 من 27345

أحمد ياسين .. وشواهد الصمت المبين حسام عبد القادر صالح*

أخيرا ترجل فارس الجهاد بعد أن بلغ ذروة سنام الإسلام، وصار قدوة الأنام في عصره، نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا، إنه أحمد ياسين، بلا ألقاب أو مسمّيات، فما حاجته للألقاب، وماذا عسانا أن نقول غير أحمد ياسين، هل نقول الشيخ، أم الشهيد، أم المجاهد، أم البطل، أم المصابر، أم المرابط، أم الصخرة، أم المؤسس، أم القدوة، أم الأستاذ، أم الإمام، أم العَلَم، أم القدوة، أم الأمة، إني إجلالًا لقدره لا أصفه إلا بـ أحمد ياسين.

أحمد ياسين لم يدهشني استشهاده فقد كنت مستيقنًا بأن الله تعالى سيختار له هذه النهاية لأنه هو الذي وضعه في الطريق، وما أدهشني حقًا هو غدر يهود الجبان، وما تعيشه أمتنا من هوان، وشواهد الصمت المبين الذي عاشه أحمد ياسين، بروحه وجسده الذي لم يبق منه سوى رأس مرفوعة ولحية بيضاء وابتسامة وادعة.

تساؤلات حيرى وإجابات خجلى:

لقد سألت نفسي مرارًا هل أكتب عن أحمد ياسين أم لا؟ هل أكتب بالمداد أم الدموع أم الدماء؟ وسألتها من أنا؟ حتى أكتب عن أحمد ياسين تلك القمة الشماء التي تتقاصر دونها الكتوف، وأين تلك الكلمات التي يمكن أن تفي الرجل حقه ومكانته.

في الحقيقة لم أجد بلاغًا مبينًا غير الصمت، وقد صدق من قال:"رب صمت مبين"، فإن أحمد ياسين بحياته وتاريخه صمت مبين، بقعوده وسكونه الذي يحرّك السكون، بل حتى بكلماته التي تخرج من فمه ـ لا تكاد تتلقفها الأسماع ـ فتفعل في فعل السحر في يهود الجبناء.

غير أنه مادمنا قد لذنا بالصمت المبين وقررنا أن نكتب عنه فهاك شواهده:

مهرجان الكلمات:

بعد سماع وكالات الأنباء وهي تذيع خبر استشهاد أحمد ياسين وجدت أن الحروف قد تراصت والكلمات قد تقاطرت وجاءت على قدر، لتشكل مشهدًا حيًا متصل الحلقات، وكانت كل كلمة من ذلك الخبر (الفاجعة) لها دلالاتها الموحية وظلالها الشفيفة.

وكنت أقف عند كل كلمة في ذلك الخبر وأتأمل عظمة الخبر والرجل والكلمات.

استشهد ـ أبو محمد ـ أحمد ـ إسماعيل ـ ياسين ـ صباح ـ الاثنين ـ صلاة ـ الفجر ـ مسجد ـ المجمع ـ الإسلامي ـ حيَّ ـ صبرا ـ غزّة (غُزّى) .

ما قل ودل:

في اليوم الثاني من استشهاده، رحت أقلب الصحف، فهالتني عشرات الكلمات والمقالات والمفردات التي سطرت في حقه ولكني لم أجد أبلغ من ذلك الصمت المبين الذي بدا على عمود الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد، الذي خذلته الكلمات فأناب عنها السواد الذي اتشح به عموده (ما قلّ ودلّ) ، وقلت في نفسي إن لم يصنع الشيخ ما صنع، لما قلّ في عموده، ولا دلَّ.

صمت دهرًا ونطق شعرا:

أجد نفسي مجبرًا على أن أثبت أن للصمت أحيانًا بيانًا، كما للعيي لسانا، فمن صمت دهرًا نطق يوم رحيل أحمد ياسين شعرا!

نعم.. إنه ذلك الصديق الجامعي الشاب الذي ما أن سمع باستشهاد أحمد ياسين بعد المحاضرة الصباحية الأولى حتى قابلني بعد المحاضرة الثانية وهو يحمل أول قصيدة نظمها في حياته، بعد سماعه لنبأ استشهاد أحمد ياسين، ورب صمت مبين.

العزلة والصمت المبين:

فقط في يوم استشهاده قدّر الله لشاب آخر أن يكون أحمد ياسين هو الشيخ الذي يعلمه الدرس الميداني في الحدود الشرعية الصحيحة للعزلة. لقد كان ذلك الشاب يلحّ على زميله في الجامعة أن يعيره كتاب العزلة للخطابي ليوم واحد فقط، إلا أن زميله كان يعتذر دائمًا بأدب، ويخبره أنه لم يقرأ الكتاب بعد، ويعده بأن يعيره الكتاب قريبًا.

وفي اليوم الذي تحصل فيه الشاب على الكتاب استشهد أحمد ياسين، فوجد الشاب نفسه ممسكًا بالكتاب (العزلة) وهو يجول ويصول مخالطًا لإخوانه الطلاب في مظاهرة هادرة تجوب أنحاء الجامعة وهي تعلي صوتها بالتكبير والتهليل وهتافات الوعيد لإسرائيل، وبين الحين والآخر ينظر إلى غلاف الكتاب ثم ينظر إلى قدميه المغبرتين، وإلى صوته المبحوح من الهتاف، ويتعجب!!

لم يتوقف نشاط الشاب يومذاك في حدود الجامعة فحسب بل خرج مع الطلاب في مسيرة كبيرة لتقديم واجب العزاء والنصرة للمسلمين في فلسطين، وبعد أن رجع إلى البيت أيقن الشاب أن أحمد ياسين قد علمه اليوم درسًا ميدانيًا علميًا يعرف به متى تكون العزلة وعن من؟ ومتى تكون الخلطة ومع من؟

كل ذلك كان قبل أن يفتح كتاب العزلة ليجد قول الخطابي: (باب في لزوم القصد في حالتي العزلة والخلطة... كن مع الناس في الخير، وكن بمعزل عنهم في الشر) أ.هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت