فهرس الكتاب

الصفحة 4136 من 27345

أحمد الخطيب

معلوم أن للإنسان علاقات ثلاث: علاقته بخالقه وتشمل العبادات والعقائد، وعلاقته بنفسه وتشمل الأخلاق والمطعومات والملبوسات، وعلاقته بغيره وتشمل المعاملات والعقوبات، وجميع هذه العلاقات متشابكة متداخلة لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، والدين الكامل أو المبدأ هو الذي يملك نظامًا يعالج هذه العلاقات. أما الدين الناقص أو الفكر القاصر فهو الذي يعالج بعضها ويهمل بعضها، فجميع الأديان اليوم عدا الإسلام هي أديان ناقصة لأنها لا تملك نظامًا كاملًا للعلاقات الثلاث، وجميع الأفكار عدا الإسلام والرأسمالية والشيوعية هي أفكار قاصرة لأنها ليست مبادئ تعالج العلاقات الثلاث وإنما تعالج بعضها وتهمل بعضها الآخر. وإنه وإن كانت الرأسمالية والشيوعية مبدءان يعالجان جميع علاقات الإنسان لكنهما مبدءان باطلان لأن معالجتهما لا تتفق مع فطرة الإنسان ولا تنبني على العقل الإنساني.

وأما الإسلام فقد تناول علاقات الإنسان الثلاث تناولًا عمليًا بالفكرة والطريقة وبالتوجيه والتشريع وبالحجج والبراهين وبالأحكام والحلول، لذلك كانت أية محاولة لفصل الإسلام عن جزء من العلاقات هي محاولة محكوم عليها بالفشل لأنها تتناقض مع طبيعة الإسلام الشمولية، والإسلام لم يفرق في معالجاته بين هذه العلاقات. ولو استعرضنا بعض النصوص الشرعية التي تناولت العلاقات الثلاث لما وجدنا فيها أي تمييز أو تفريق بينها يستدعي الفصل بينها وبين بعض تلك العلاقات.

فمثلًا في العقيدة يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا) .

ومثلًا في العبادات يقول تعالى: (وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ) ويقول عليه الصلاة والسلام:"الدعاء بين الأذان والإقامة لا يُرد".

ومثلًا في الحكم يقول تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ) ويقول عليه الصلاة والسلام:"من مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية".

ومثلًا في القضاء والبينات يقول تعالى: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ) ويقول عليه الصلاة والسلام:"من أخذت له مالًا فهذا مالي فليأخذ منه ومن جلدت له ظهرًا فهذا ظهري فليقتص منه"ويقول أيضًا:"البينة على المدعي واليمين على من أنكر".

ومثلًا في العقوبات يقول تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا) .

ومثلًا في الاقتصاد والمعاملات يقول تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) ويقول عليه الصلاة والسلام:"ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده"ويقول أيضًا:"أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما"ويقول تعالى: (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) .

ومثلًا في الحرب والسلم يقول تعالى: (وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ) ويقول: (انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا) ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ) ويقول: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ) .

ومثلًا في الأخلاق يقول تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) ويقول عليه الصلاة والسلام لأشج عبد القيس:"إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".

ومثلًا في المطعومات يقول تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ) .

ومثلًا في الملبوسات يقول عليه الصلاة والسلام:"إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنًا"وقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم:"إن الله جميل يحب الجمال".

وهكذا نجد أن الإسلام من خلال هذه العينة من النصوص قد عالج العقيدة والعبادة كما عالج المعاملات والعقوبات وكما عالج الأخلاق والمطعومات والملبوسات، فلا فرق في معالجات الإسلام للعلاقات بين أن تكون علاقة الإنسان بخالقه أو علاقته بغيره أو علاقته بنفسه.

وأما دور العقل في ذلك فقد اعتبره الإسلام مناطًا للتكليف، فعن طريق العقل يهتدي الإنسان أو يضل وطلق الإسلام للعقل العنان للفهم والإبداع في إطار النصوص الشرعية، فهو من جهة منعه من التفكير العابث الذي يؤدي إلى الضياع وهو من جهة ثانية حثه على التفكر والتدبر والاجتهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت