فهرس الكتاب

الصفحة 4137 من 27345

والرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يوجه المسلمين توجيهًا إيمانيًا عمليًا يجمع كل جوانب الحياة ويعالج جميع علاقات الإنسان بدون تفريق، لذلك كانت حياة المسلمين هي حياة إنسانية راقية لا تجنح للمادة وطغيانها ولا تهرب من صخب العيش إلى الجبال والكهوف والزوايا لتدع الدنيا لمن يقدر عليها، ولنأخذ حديثًا من أحاديث المصطفى صلّى الله عليه وسلّم يوصي فيه أحد أصحابه. فقد روى البيهقي في كتاب الزهد عن معاذ أنه قال: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ، فمشى قليلًا ثم قال:"أوصيك: 1- بتقوى الله 2- وصدق الحديث 3- ووفاء العهد 4- وأداء الأمانة 5- وترك الخيانة 6- ورحم اليتيم 7- وحفظ الجوار 8- وكظم الغيظ 9- ولين الكلام 10- وبذل السلام 11- ولزوم الإمام 12- والتفقه في القرآن 13- وحب الآخرة والجزع من الحساب 14- وقصر الأمل 15- وحسن العمل. وأنهاك أن: 1- تشتم مسلمًا 2- أو تصدق كاذبًا 3- أو تكذب صادقًا 4- أو تعص إمامًا 5- وأن تفسد في الأرض. يا معاذ: 1- أذكر الله عند كل شجر وحجر 2- وأحدث لكل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية".

ففي هذا الحديث الشريف أوصاف للمسلم الذي يحيا حياة إسلامية حقيقية كاملة، حياة عملية إيمانية حيث تضمن خمس عشرة وصية اشتملت على العقيدة والأخلاق والسياسة والعبادة وخمس منهيات تعلقت بالأخلاق والسياسة وترك المعاصي، وختمه بذكر الله والتوبة، وكل ذلك بكلمات قليلة لمعاني جليلة.

فلو أخذ المسلمون بمثل هذا الحديث لكفاهم وحماهم من البضاعة الفكرية الفاسدة التي تروجها لنا الحضارة الغربية وما فيها من تشدق بالكلام عن الحياة المدنية والمجتمع المدني وما شاكل ذلك من هرطقات.

نخلص من هذا كله إلى القول بأن هناك فرق بين الأديان المحرفة الناقصة وبين الدين الإسلامي، فإذا كان الفصل في أوروبا بين الديانة المسيحية والدولة فصلًا طبيعيًا ومقبولًا عندهم فإنه لا يصلح مع الإسلام ولا بحال من الأحوال لأن الحاكمية في الإسلام هي من خصائص الألوهية فإذا سلبها العبد من الله سبحانه فإنه ينصب نفسه إلهًا إلى جانب الله تعالى وهذا هو الشرك بعينه لذلك كان التشريع والحكم من الله سبحانه فقط ولا مجال لإعطائه للإنسان لأن في إعطائه له ظلم عظيم فضلًا عن كونه كفرًا صراحًا.

أما فصل الدين الإسلامي عن الحياة والسياسة والدولة في بلاد المسلمين، أو الأخذ بالإسلام في بعض العلاقات وإهماله في البعض الآخر، فهو ما جعل المسلمين في حالة من الانحطاط الدائم والتخلف المتواصل والضعف الشديد الذي لا تبدو له نهاية طالما استمر تكريس هذا الفصل للإسلام عن الحياة.

وهذا الفصل وهذا الأخذ الناقص للإسلام في العلاقات هو الذي تسبب أيضًا بسيادة الكفر وشقاء البشرية واستشراء الظلم. ولا سبيل إلى إرجاع البشرية إلى رشدها إلا بتمكين الإسلام من تنظيم جميع علاقات الإنسان الثلاث، ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة دولة ا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت