الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين..
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:- قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ الله، فإذا قالوها وصلّوا صلاتنا وستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرّمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقّها، وحسابهم على الله ) ) [رواه الإمام البخاري في صحيحه] .
مقدّمة وتوطئة:
جناية النّمطيّة المخطئة على الشّريعة الإلهيّة
معنى النّمط لغة:- الطّريقة، ونقصد بالنّمطية هنا أيّة طريقة لترتيب الأحكام أو العلوم الشّرعيّة ووضعها في قوالب معيّنة تصبح محكومة بها، تقصر أو تطول بحسبها.
عندما ضعف الإهتمام بالسّنّة النّبويّة وقلّت العناية بها حاول أهل الإسلام تسهيله على الدّارس والشّارح والمفتي وذلك بجمعه في أنماط محدّدة من خلال إعادة معظم أفراد النّمط في صيغة واحدة، وكان لهذا الفعل مع صواب بعض صوره أضراره الشّديدة على الدّين والشّريعة بعضها من جهة الأصل وبعضها من جهة إعمال النّاس لها بطريقة مخطئة.
صور الأنماط التي اجتهدها الأئمة مع الشرعية الإلهية:
1-التّعريفات.
2-القواعد الفقهيّة.
3-الشّعارات والألقاب.
4-الزّمر الفقهيّة والعقديّة.
نموذج لجناية التّعريفات الحدّية على الشّريعة
إنّ أعظم نموذج لهذه النّمطيّة المخطئة في تعريف مصطلح شرعي من خلال قالب حدّيّ هو نموذج تعريف الإيمان.
فحين غزت الأمّة المسلمة فلسفة اليونان، وسيطر المنطق الأرسطي على عقليّة المتكلّمين من أصوليّين وفقهاء، حاولوا تعريف الإيمان من خلال قالب الحدود الأرسطيّة، وكانت النّتيجة مفجعة ومدمّرة، وعادت على الدّين بالتّزوير والتّخريب، ولن أطيل في شرح هذه الظّاهرة ونتائجها فقد كفانا إيّاها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابيه الرّائعين"الرّد على المنطقيّين"وكتاب"الإيمان الكبير"فارجع إليهما لأهمّيّتهما في هذا الباب، ثمّ توسّع في ذلك توسّعا رائعا لا مزيد فوقه الشّيخ الدّكتور/ سفر الحوالي -فكّ الله أسره من سجون طواغيت آل سعود- في كتابه"ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي".
نموذج لجناية الزّمر الفقهيّة والعقديّة المخطئة على الشّريعة
حين رتّب الفقهاء الشّريعة على تقسيم: العبادات والمعاملات والأخلاق، والعقائد، ماذا كانت النّتيجة؟ بلا شكّ أنّها مفسدة للشّريعة، وهو إفساد نرى آثاره في حاضرنا، لأنّه في زمننا وصلت الآثار إلى أقصى ما يمكن أن تصل إليه، فالمعاملات ليست من العبادات، فهذا له حكمه وقاعدته، وهذا له حكمه وقاعدته الأخرى، والعقائد غير الأحكام الفرعيّة فهذه لها قواعدها ومظانّها، وهذه لها قواعدها ومظانّها المختلفة، وكذلك العقائد يقينيّة!! والأحكام ظنيّة!! يقول ابن تيمية في كتاب"الإستقامة":- فصل مهمّ عظيم في هذا الباب: وذلك أنّ طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة -وهو أصل في هذا الباب-… ومن اتّبعهم من الفقهاء يعظّمون أمر الكلام الذي يسمّونه أصل الدين، حتّى يجعلون مسائله قطعيّة، ويوهنون من أمر الفقه الذي هو معرفة أحكام الأفعال، حتى يجعلوه من باب الظّنون لا العلوم، وقد رتّبوا على ذلك أصولا انتشرت في النّاس حتّى دخل فيها طوائف من الفقهاء والصّوفية وأهل الحديث لايعلمون أصلها ولا ما تؤول إليه من المفاسد مع أنّ هذه الأصول التي ادّعوها في ذلك باطلة واهية،.. ذلك أنّهم لم يجعلوا لله في الأحكام حكما معيّنا، حتّى ينقسم المجتهد إلى مصيب ومخطئ، بل الحكم في حقّ كلّ شخص ما أدى إليه اجتهاده، وقد بيّنا في غير هذا الموضع ما في هذا من السّفسطة والزّندقة، فلم يجعلوا لله حكما في موارد الإجتهاد أصلا، ولا جعلوا له على ذلك دليلا أصلا… ومن فروع ذلك أنّهم يزعمون أنّ ما تكلّموا فيه من مسائل الكلام هي مسائل قطعيّة يقينيّة (1) .
وانظر ما أدت إليه محاولات البعض من تقسيم نمطي للشريعة من فقه غريب لا يمت إلى فقه السلف في شيء، وذلك في تقسسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات، والكل يحاول توسيع دائرة المتغيرات ليعطوا مساحة واسعة لدخول الإجتهادات الجديدة المخالفة لمواقف السلف، ولم يفلح أحد في وضع خط علمي موضوعي فاصل بينهما، بل هي الذاتية والنسبية والإعتبارية.
* مثال آخر لهذه الجناية:-
حين غزا التّتار بلاد المسلمين ووصلت هجمتهم بقيادة قازان بلاد الشام، وكانوا قد أعلنوا إسلامهم على المذهب الشيعي قبل ذلك، وقازان معه إمام ومؤذن، فلما قارب شرهم دمشق وقلعتها طرح الناس مسألة قتالهم، وتحت أي قسم من أقسام الجهاد وتبويباته -التي درج الفقهاء على تقسيمها في هذا الباب- يقاتل هؤلاء التتار.. ولندع ابن كثير يحدثنا عن هذه المشكلة التي واجهت الناس يومذاك: