فهرس الكتاب

الصفحة 2362 من 27345

قال رحمه الله:- وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتر من أي قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على عليّ ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك (2) .

فإذا اختلف الناس في أي نوع من أنواع الجهاد يمكن إدخال قتال التتار، وابن تيمية رحمه الله تعالى احتاج أولا إلى إخراج نوع قتال الخوارج من زمرة البغاة، فإن عامة كتب الفقه المبوبة على طريقة المتأخرين قد عدت قتال الخوارج من نوع قتال البغاة، بل حتى صار معنى الخوارج عندهم: من خرجوا على الإمام العدل، وقد شرح ابن تيمية أولا خطأ هذا التبويب وهذا التقسيم، ثم سمى قتالهم نوعا آخر -قتال الممتنعين عن الشرائع- وقد أدخل فيه رحمه الله قتال الخوارج وقتال مانعي الزكاة (3) ، وهو نمط إذا تعامل الناس معه بإطلاق سيفسد الكثير من التفصيلات في أحكام قتال كل طائفة، فالخوارج يقاتلون قتال أهل التأويل المسلمين كما هو معلوم، ومانعوا الزكاة قاتلهم الصحابة رضي الله عنهم قتال المرتدين، فعلم أن زمرة الممتنعين عن الشريعة لا تعني تفسير نوع القتال بمقدار أن تحل إشكالا حصل زمن ابن تيمية في قتال التتار ولذلك من حمل معنى الممتنعين عن الشريعة أنهم كفار مطلقا فقد أخطأ وهو مثل خطأ من حمله على أنهم ليسوا كفارا مطلقا… والله أعلم.

نموذج جناية عدم فهم القواعد الفقهية على الشريعة الإلهية

القاعدة الفقهية: هي حكم كلّي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامه منه (4) .

وقد حاول المتأخرون وضع الشريعة في قواعد محددة تسهل حل المشكلات، وقد وصلت جهود بعضهم إلى جمعها في سبع عشرة قاعدة كما ذكر ابن نجيم الحنفي في"الأشباه والنظائر" (5) ، ومع تقييدات هؤلاء العلماء من قولهم إن هذه القواعد أكثرية لا جزئية وأنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية (6) ، إلا أنهم مع ذلك قالوا: إن هذه القواعد ترد إليها فروع الأحكام، وبها يرتقي الفقيه إلى درجة الإجتهاد…

وبهذا العمل زهد الناس في السنة النبوية الشريفة، فلماذا حفظ مئات وألوف الأحاديث، والمسألة أسهل من ذلك: حفظ سبع عشرة قاعدة فقط، بل يرتقي المرء إلى مرتبة الإجتهاد، وكانت النتيجة بعد ذلك هو جعل القواعد الفقهية المصدر الوحيد عند بعضهم للإجتهاد والفتوى، وما هذا الذي نسمعه اليوم من القول باعتماد المصالح كمصدر من مصادر الشريعة إلا نتيجة لاتخاذ قاعدة (المشقة تجلب التيسير) لاسقاط أي حكم شرعي يشعر المرء بأنه مشقة عليه (7) .

وفعلهم هذا جرأ الجهلة وغمار الناس بالفتوى والقول على الله بغير علم، فصار المرء يكفيه أن يفهم روح الشريعة والدين ويفهم مقاصدهما حتى يقول ما يريد ويفتي كما يحب ، وينسب ذلك كله لشرع الله ودينه.

نموذج لخطأ التعامل مع الأفراد والجماعات من خلال الشعار مطلقا

هذا النموذج آثرنا التوسع فيه لأهميته وهو تعريف أهل القبلة ودخول المتأولين فيه.

والمقصود بأهل القبلة هم المسلمون، وعامة مصطلحات الأئمة من أهل السنة والأوائل إنما تم اعتمادها من خلال القرآن والسنة الصحيحة، وذلك لحرصهم الشديد أن يتم البناء العلمي للمسلم الموحد من المصدر المعصوم -الوحي- ولأن دلالة الألفاظ الشرعية على المراد الإلهي تعتبر أقرب الطرق في الوصول إلى مراد الشارع، وأسلمها من الدخن والغلط، ومصطلح أهل القبلة تداوله الأئمة في عباراتهم وكتبهم للتعبير عن حقيقة وقد تعامل معه التابعون فمن بعدهم مثل:

1-الإمام محمد بن سيرين: قال:- لا نعلم أحدًا من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولا من غيرهم من التابعين تركوا الصلاة على أحد من أهل القبلة تأثمًا.

2-الإمام النخعي: قال:- لم يكونوا يحجبون الصلاة عن أحد من أهل القبلة.

3-الإمام عطاء بن رباح: قال:- صل على من صلى إلى قبلتك.

4-قال أبو إسحاق الفزاري:- سألت الأوزاعي وسفيان الثوري هل تترك الصلاة على أحد من أهل القبلة وإن عمل أي عمل؟ قال: لا.

وعن الشافعي وأحمد اسحق وأبي ثور وأبي عبيدة مثله (8) .

وقول الأئمة وإن عمل أي عمل، المقصود به غير المكفرات لقوله صلى الله علية وسلم في الحديث القدسي:- (( يقول الله تعالى:…. من لقيني بقراب الأرض خطيئة لايشرك بي شيءا لقيته بقرابها مغفرة ) ) [رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه] .

بل ورد هذا اللقب على مسامع الصحابة رضي الله عنهم، فقد سأل سليمان بن قيس اليشكري جابر بن عبد الله: أفي أهل القبلة طواغيت؟ قال: لا، قلت: أكنتم تدعون أحدًا من أهل القبلة مشركًا، قال: لا. (9) .

والمقصود بأهل القبلة في هذه النصوص هم أهل البدع الذين يقيمون الصلاة وينتسبون للإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت