فهرس الكتاب

الصفحة 10347 من 27345

المدرسة العقلية الحديثة

في البوسنة و الهرسك

و موقفها من السنة النبوية

تأليف الدكتور: أحمد عبد الكريم نجيب

أستاذ الحديث النبوي و علومه في كلّية الدراسات الإسلاميّة بسراييفو ، و الأكاديميّة الإسلاميّة في زينتسا

و مدرّس العلوم الشرعيّة في معهد قطر الديني سابقًا

توطئة

الحمد لله على نعمائه ، و الشكر له على عظيم آلائه و جزيل إحسانه ، و الصلاة و السلام على عبده و رسوله و صحبه و آله ، و بعد ..

مكانة العقل في الشريعة الإسلامية:

لم يهمل الإسلام العقل قط ، بل وجهه إلى النظر و التفكير ، و البحث و التدبير . و توجه بالخطاب إلى أهله ، يحثهم على تحكيمه فيما أشكل عليهم .

و وجه الخلق إلى التفكر و التدبر في غير آية من آيات الكتاب العزيز .

قال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولو

الألباب [ ص: 29 ] .

و قال سبحانه: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [ محمد:

و وصف عباده المؤمنين بالمداومة على ذكره و التفكر في خلقه فقال:

{ الذين يذكرون الله قيامًا و قعودًا و يتفكرون في خلق السماوات و الأرض } [ آل عمران: 191 ] .

و دعا سائر الخلق إلى ذلك فقال: { أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات و الأرض و ما بينهم إلا بالحق و أجل مسمى } [ الروم: 8 ] .

و قال أيضًا: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف - و إلى السماء كيف رفعت - و إلى الجبال كيف نصبت - و إلى الأرض كيف سطحت } [ الغاشية: 17-20 ] .

و كرم الله العقل أفضل تكريم حيث و جهه إلى طلب العلم ، و رفع قدر العلماء .

... قال تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات } [ المجادلة: 11 ] .

و وصفهم سبحانه بالخشية فقال: { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ } [ فاطر: 28 ] .

و من هذا المنطلق أقبل المسلمون على علوم الدين و الدنيا ، ينهلون منها و يعلمون ، و يأخذون و يعطون ، حتى علا قدرهم في المعارف كافة ، و أصبحت حواضر البلدان الإسلامية مراكز ثقافية ، و قامت فيها جامعات علمية يؤمها الطلبة من مختلف أنحاء العالم ، و غدت مكتباتها مراجع ينهل منها بنهم كل من عرف قيمة الكتاب ، بعد أن جلبت إلى خزائنها نوادر المخطوطات ، و نفائس المصنفات ، و ترجمت إلى اللسان العربي من مختلف اللغات في عهد بني العباس فمن بعدهم .

نشأة المدرسة العقلية في المشرق الإسلامي:

لا زالت شمس الإسلام تسطع على العالم كله يوم كانت لأبنائه الريادة في المجالات العلمية على تنوعها ، فانطلقت الفتوحات الإسلامية تملأ الأرض نورًا و عدلًا و بلغت أوجها في عهد السلطان محمد الفاتح رحمه الله الذي حاز فضيلة فتح القسطنطينية و التوغل من بعد في عمق البلدان الأوربية عبر بوابة البلقان .

و مع تقدم الزمن دبَّ الضعف في جسد الأمة ، و بدأت ريادة العالم العلمية تنتقل تدريجيًا إلى الغرب الأوربي ، يحملها طلاب درسوا في الأندلس و اسطنبول و غيرهما من الحواضر الإسلامية ، و لصوص محترفون سرقوا من العالم الإسلامي نفائس المخطوطات و أمهات الكتب .

و أثناء هذا التحول عني العثمانيون بتسليح الشعوب الخاضعة لهم ، و اهتموا ببسط نفوذهم و الحفاظ على سلطتهم البسيطة ، فيما بدأ الغرب النصراني يبني نهضة ماديَّة تقنية ، و يوحد صفوفه في مواجهة دولة الخلافة المتقهقرة ..

و لا زال الغرب ينمو و يتقدم بتخليه عن ماضيه و خروجه على سلطة الكنيسة و رجالها ، و الشرق الإسلامي يتردى و يتحطم بتنكره لأصوله و تخليه عن دينه و شريعة ربه ، حتى جاءت اللحظة الفاصلة فسقطت الخلافة ، و تداعت الأمم على ديار الإسلام تستولي و تستعمر ، و تشغل معاول التجهيل و التغريب في أبناء المسلمين ، حتى اتسعت الهوَّة بين المسلمين و كلٍ من دينهم ، و الحضارة التي أحرزها عدوُّهم ، فيما كان للغرب الصليبي سبق لا ينكر في المجالات المادية ، و الصناعات التقنية .

و فقدت الأمة الإسلامية استقلالها ، فأمست تابعة مسودة مقودة ، يسيرها أعداؤها كما يشاؤون ، و يعاني أبناؤها من عقدة التخلف و التبعية .

و قد تمخض هذا الواقع عن ظهور ثلةٍ من المفكرين و الكتاب و العلماء الداعين إلى اللحاق بركب الحضارة الغربية ، لتجديد فهم الإسلام ، و تطوير أحكامه بما يتناسب و ظروف الزمن الراهن .

و كان في طليعة هؤلاء العلماء المجددين كلٌ من جمال الدين الأفغاني و محمد عبده ، و تلميذه محمد رشيد رضا ، و آخرون ممَّن كانت لهم الشهرة في أوائل القرن الرابع عشر الهجري .

و قد نادى هؤلاء المجددون بإدخال إصلاحات جذرية في علوم الشرع و أحكامه لتواكب العصر ، و كانت باكورة عملهم الدعوة إلى إصلاح الأزهر الشريف بصفته المرجعية العليا لغالبية المسلمين في تلك الفترة .

انتقال فكرة التجديد و دعوة العقلانيين إلى البوسنة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت