فهرس الكتاب

الصفحة 10346 من 27345

ويأتي على رأس هذه المدرسةِ المدرسةُ الإصلاحيّةُ في مصرَ ، من أمثالِ محمّد عبده وطلابهِ كرشيد رضا وشلتوت والمراغي وغيرهم ، وقد تفاوتوا تفاوتا كثيرًا في التأثرِ ، وهناك من يجعلُ محمّد عبده من محضة العقلانيةِ ومنهم من يراهُ مُصلحًا عظيمًا ، والحقُّ أنَّ هذا الرجلَ وقعَ في تجاوزاتٍ وأخطاءٍ جسيمةٍ ، كانَ كثيرٌ منها في أصولِ الشريعةِ ، ويُقالُ أنَّ سببَ جنوحهِ إلى التأويلِ للغيبياتِ والمُعجزاتِ إنّما كانَ تطييبًا لقلوبِ النّاسِ ، وكسبًا لهم ، في وقتٍ اشتدتْ فيهِ أزمةُ الإلحادِ وإعراضُ النّاسِ عن الدينِ وتشككّهم فيهم ، لانتشارِ الماديةِ وفورةِ الاشتراكيّةِ والماركسيّةِ ، وبهذا أجابَ الشيخ رشيد رضا رسالةً وصلتهُ من الشيخ السعدي - رحمهما الله جميعًا - ، ذكرَ لهُ فيها أن تأويلَ بعضِ أمورِ الغيبِ أهونُ عندهم من خروجَ المسلمِ إلى دينِ الكفرِ .

وهذا الأمرُ مُشكلٌ غايةَ الإشكالِ ، ذلك أنَّ هذه الأمورَ هي من محكماتِ الشريعةِ ، وممّا كانتْ تعيبُ بعضهُ قريشٌ على النبيِّ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - ولو كانَ بعضهُ أو كلّهُ يجوزُ أن يُبدّلَ أو يؤولَ مع وجودِ المُقتضي لذلك وانحسارِ المانعِ ، لكانَ النبيُّ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - أولى بذلك في زمانهِ ، وحاجتهُ إليهِ أكثرُ ترغيبًا للنّاسِ في الإسلامِ والإيمانِ ، وتكثيرًا للأتباعِ الداخلينَ في الدينِ ، فلمّا تركَ ذلكَ وبقيَ على الأصلِ من اعتبارِ حقيقةِ هذه القضايا واعتبارها محكًّا للدينِ واختبارًا للعبدِ ، دلَّ ذلكَ على تحريمِ تأويلها أو التعرّضِ لها بالتعطيلِ والتشكيكِ .

والواجبُ على أهلِ العلمِ هو صيانةُ العلمِ عن تشغيبِ العامّةِ ، وإصلاحُهم بالطرقِ الشرعيّةِ ، لاسيّما ما كان موجبهُ موجودًا في زمنِ النبيِّ - صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ - ، فما فعلهُ نفعلهُ ، لأنّهُ فعلهُ تشريعٌ كقولهِ ، وهذا محلُّ إجماعٍ عندَ أهلِ العلمِ ، وأمّا الوقوعُ في التأويلِ وصرفِ الخبرِ عن ظاهرهِ استمالةً للنّاسِ وتأليفًا لقلوبهِ ، فهذا مُصادمٌ لطريقةِ النبيِّ - صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّمَ - ، بل كان يأخذُ النّاسَ في مواضعِ الحزمِ بالحزمِ ، وفي مواضعِ اللينِ باللينِ ، وأهلُ العلمُ خلفهُ في ذلكَ ، وإذا وجدوا من النّاسِ ريبةً أو تشكّكًا سدّوا ذلك البابِ بالتعرّضِ لأصولِ مسائلِ الإيمانِ ، لا بأن يفتحوا لهم بابًا جديدًا للتأويلِ وصرفِ حقائقِ الدينِ ، ومن وقعَ في شيءٍ من ذلك فلن يردّهُ إلا التأويلِ لصريحِ الدينِ وأصلِ الإيمانِ ، ومن هنا وصلَ من وصلَ إلى القولِ بصحّةِ دينِ اليهودِ والنّصارى ، لأنّهم وقعوا في بوّابةِ الانهزامِ الأولى ، وهي بوّابةُ الضعفِ أمّامَ سلطةِ العامةِ الذين لا يفقهونَ شيئًا .

والتتابعُ في التأويلِ جعلَ بعضَ هؤلاءِ يقعُ في التأويلِ الصريحِ لمحكماتِ القرآنِ ، كما حصلَ لمحمّد عبده في تفسيرهِ ، وقد ردَّ عليهِ في شيءٍ من ذلك الشهيدُ سيد قطب - رحمهُ اللهُ - ، وذلك في تفسيرهِ لسورة الفيل وغير ذلكَ من المواضعِ .

والحديثُ عن المتأثرينَ بالعقلانيّةِ ودُعاةِ العصرانيّةِ لهُ مناسبةٌ خاصّةٌ ، لاسيّما ونحنُ نرى كثرتُهم وانتشارُهم في العديدِ من المراكزِ العلميّةِ والإعلاميّةِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت