آراء معاصرة عن تغير الأحكام بتغير الزمان (1/3) د. بسطامي محمد خير*
مقدمة
لا يشك مسلم في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان ، وحيويته لمعالجة مشكلات كل عصر وقطر . ولقد كان من آثار الصحوة الإسلامية المعاصرة ، السعي الجاد لتجديد الفقه وبعث الاجتهاد ، ليقدم الحلول لمشكلات العصر الحاضر ، ومواجهة التطور والتغير الذي حدث في كثير من نواحي الحياة ونظمها . ومن القواعد الهامة التي شاعت عند كثير من المعاصرين ، دليلا على قابلية الإسلام لاستيعاب التطور ، قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان . وهي قاعدة هامة صاغها الفقهاء قبل العصر الحاضر وتناولها عدد منهم بالشرح والتوضيح . ولكن من يتأمل في استعمالات المعاصرين لها ، يجد اضطرابا في فهمها وخلطا في ضبطها ، بين موسع ومضيق لدائرة الأحكام التي تتغير بتغير الظروف والعصور .
وتسعى هذه الورقة لإلقاء الضوء على هذه القاعدة ، وبحث معناها وتحقيق محتواها ، وتحرير فهم الأولين لها ، وعرض أراء المعاصرين عنها ، للخلوص من ذلك كله إلى تعريف دقيق لها ، يعين في تحديد تأثير اختلاف الزمان والمكان في تغير الأحكام ، والإجابة على السؤال الهام ما الثابت والمتغير من الإسلام .
تحرير القاعدة
قرر كثير من الفقهاء قديما وحديثا قاعدة تغير الأحكام تبعا لتغير الأحوال والظروف والأوضاع والعادات ، منهم على سبيل المثال ابن القيم والشوكانى ومصطفى الزرقاء والقرضاوي . ولقد عقد الإمام ابن القيم لها فصلا قيما في كتابه"إعلام الموقعين"واستدل عليها ونصرها أتم نصر ، ومثل لها بأمثلة كثيرة . ومما استدل به الشيخ القرضاوي [1] على هذه القاعدة من القرآن قول الله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال، إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) (الأنفال: 65) ، ثم قال: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين) . (الأنفال: 66) . فقد قال بعض المفسرين أن هذا نسخ ، ولكن نقل القرطبي وغيره أن هذا تخفيف وليس بنسخ [2] ، فالآية الأولي حكم في حالة القوة والثانية حكم آخر في حالة الضعف . ومن السنة استدل على قاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان الأحاديث الصحيحة في ادخار لحوم الأضاحي من مثل ما رواه مسلم [3] عن عائشة قالت: دف ناس من أهل البادية حضرة الأضحى في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقى فلما كان بعد ذلك قيل يا رسول الله لقد كان الناس ينتفعون من ضحاياهم فقال: (إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وتصدقوا وادخروا) . فالنهي عن الادخار كان في وقت الحاجة وجاءت الرخصة بزوال هذه الحاجة ، ولهذا يقول القرطبي: لو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم ألا يدخروها فوق ثلاث كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم [4] .
والظاهر أن هذه الأدلة من القرآن والسنة مجرد أمثلة للاستدلال على هذه القاعدة الهامة ، وإلا فإن هناك شواهد كثيرة لأحكام ثابتة بالقرآن والسنة قد بينت النصوص نفسها الأحوال التى تتغير فيها . والواضح أنه ليس هناك اشكال في ثبوت القاعدة لكن قد أشكل بعض المعاصرين فهمها وتطبيقها و تعيين ما الثابت من الأحكام وما المتغير . فمن المعروف أن أحكام الشريعة تنقسم إلي قسمين رئيسيين: أحكام مصدرها نصوص القرآن والسنة مباشرة ، وأحكام مصدرها الاجتهاد دون أن تستند مباشرة علي النصوص مثل أن تكون مبنية علي مصلحة سكتت عنها النصوص أو عرف أو عادة لم ينشئها نص شرعي .
ولا يختلف اثنان أن الأحكام في كلا القسمين إنما ترمي إلي تحقيق مصالح الناس ومراعاة منافعهم . ومما لا ريب فيه أن بعض هذه المصالح والمنافع يتبدل ويتغير بتغير الزمان أو المكان ، أو لأي عامل من العوامل التي تؤثر في تغير المصالح.
ففي القسم الثاني من الأحكام الذي لم يكن مصدره النص مباشرة ، لم يجد عامة الفقهاء صعوبة تذكر في تقرير أن المصلحة التي لم يأت بها نص أصلا يمكن أن تتغير وتصبح في حين من الأحيان مفسدة ، أو أن العادة والعرف الذي لم يتكون نتيجة نص شرعي أصلا ، يمكن أن يتبدل ويتغير ، وحينئذ قرروا بلا تحفظ أن الأحكام في هذا القسم تتغير بتغير الزمان ، لأن الأصل الذي تبني عليه أصل متغير ، وتغيره سواء كان مصلحة أو عرفا متصور عقلا وواقع ملموس .