فهرس الكتاب

الصفحة 335 من 27345

أما القسم الثاني من الأحكام وهي الأحكام التي تقررها النصوص مباشرة فكل أحد يقر أن النص مقصود منه تحقيق المصلحة للناس ومقصود منه منفعتهم ، فغاية النص وهدفه وحكمته هي المصلحة . حينئذ لم يستطع ذهن عامة الفقهاء أن يتصور أن هذه المصلحة التي يثبتها النص يمكن أن تتغير وتصبح في زمن من الأزمان مفسدة . ذلك أن من المتفق عليه أن المصلحة ليست تابعة للهوي أو المزاج الشخصي ، وأن المصالح التي تقررها النصوص هي المصالح حقيقة . وأن من التناقض الواضح أن يقال أن مصلحة ما عارضت النص . فالنص هو عدل كله ورحمة كله وحكمة كله ومصلحة كله ، فأي مصلحة تلك التي تعارض النص ، إلا إذا كانت نابعة من هوي أو مصدرها مزاج سقيم . حينئذ قرر عامة الفقهاء أن الحكم الذي مصدره النص حكم ثابت إلي يوم الدين لا يتغير بتغير الزمان .

يقول الإمام ابن حزم مؤكدا هذه الحقيقة:

( إذا ورد النص من القرآن أو السنة الثابتة في أمر ما علي حكم ما .. فصح أنه لا معني لتبدل الزمان ولا لتبدل المكان ولا لتغير الأحوال ، وأن ما ثبت فهو ثابت أبدا ، في كل زمان وفي كل مكان وعلي كل حال ، حتى يأتي نص ينقله عن حكمه في زمان آخر أو مكان آخر أو حال أخرى) [5] .

وعلي هذا فإن القاعدة الفقهية ( لا ينكر تغير الأحكام بتدل الزمان ) قد وضعها الفقهاء للقسم الثاني من الأحكام ، وهي الأحكام التي لا تستند مباشرة علي نص شرعي ، بل مصدرها عرف أو مصلحة سكتت عنها النصوص . وهذه القاعدة هي إحدى قواعد المجلة وقررتها المادة 39، وقد جاء شرح هذه القاعدة بقصرها علي الأحكام التي لم تستنبط من النصوص [6] ، وعلي هذا استقر فهم الفقهاء .

يقول ابن القيم: (الأحكام نوعان: نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها ، لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة ، كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقدرة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك ، فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه . والنوع الثاني ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانا ومكانا وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة .) [7]

ويقول الدكتور مصطفي الزرقاء من المعاصرين في بحثه لهذا الموضوع:

( من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرا كبيرا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية ، وعلي هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان ) وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب علي أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحيه وهي المعنية بالقاعدة الآنفة الذكر ، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال ) [8] .

أثر العرف في تغير الأحكام:

ويزيد الإمام الشاطبي أحد علماء أصول الفقه المتمكنين مسألة تأثير العرف في تغير الأحكام شرحا وتوضيحا ، فيبين أن العادات والأعراف المتبدلة هي الأعراف التي لم تنشئها الشريعة أصلا ، ولم تتعرض لها إطلاقا لا بمدح ولا ذم ، إنما أنشأاها الناس بأنفسهم نتيجة العلاقات الاجتماعية بينهم . فهذه هي التي يؤثر تغيرها في أحكامها الشرعية فيتغير حكمها تبعا لتغيرها . وضرب بعض الأمثلة علي ذلك منها علي سبيل المثال العبارات التي يكون لها تأثير في إنشاء أو إنهاء عقود المعاملات المالية ، مثل البيع أو ألفاظ الطلاق ، فهذه يراعي فيها العبارات التي يعتادها الناس والاصطلاحات التي يستعملونها في كل عصر . ومن الأمثلة أيضا للعوائد التي تتغير ويكون لها تأثير العادات الخاصة بالزواج مثلا ، فهذه قد تختلف من عصر إلي عصر ، أو من بلد إلي بلد ، فإذا كانت العادة مثلا أن يدفع المهر كاملا قبل الزواج ، أو الهدايا التي تدفع للعروس تكون من ضمن المهر ، فلهذه العادات تأثير في الأحكام الشرعية .

أما العادات والأعراف التي تنشئها الشريعة وتعتبرها من المحاسن أو تذمها وتعدها من القبائح ، فهذه لا تتبدل ولا تتغير بل هي ثابتة ، وفيما يلي عبارة الإمام الشاطبي التي شرح فيها هذه القضية [9] :

يقول ( العوائد المستمرة ضربان ، أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها ، ومعني ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابا أو ندبا ، أو نهي عنها كراهة أو تحريما ، أو أذن فيها فعلا وتركا . والثانية: هي العوائد الجارية بين الخلق بما ليس في نفيه وإثباته دليل شرعي .

فأما الأول: فثابت أبدا كسائر الأمور الشرعية .. فهي أما حسنة عند الشارع أو قبيحة .. فلا تبديل لها .. فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحا ولا القبيح حسنا .. إذ لو صح مثل هذا لكان نسخا للأحكام المستقرة المستمرة والنسخ بعد موت النبي (ص) باطل . فرفع العوائد الشرعية باطل )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت