خباب بن مروان الحمد
لن تنضج فصائل العمل الإسلامي بجميع أطيافها ، إلاَّ باستمرار التداول فيما بينهم بالنقد والتوجيه ، والنصح والتقويم ، وتحمُّل بعضهم البعض في نقد الأعمال والتوجُّهات المغايرة للمنهج الإسلامي القويم .
ولا أظن أنَّ أحدًا يجادل في أهمية النقد البنَّاء لجميع أشكال العمل الإسلامي سواء الفكرية أو العلمية أو السياسية أو التربويَّة ... فإنَّ العمل البشري سيبقى معرَّضًا للخلل والقصور، ويبقى الكمال لله ـ عزَّ وجل ـ .
هذه مقدِّمة مهمَّة أحسب أنَّها من الأهميَّة بمكان ، ليبقى التناصح و النقد البنَّاء ما بين الاتجاهات الإسلاميَّة قائم على قدم وساق .
وفي هذا الزمن والذي يصح بأن يوصم بأنَّه زمن صراع وقتال بين أهل الإيمان وأهل الكفر، فإنَّ فيه للمجاهدين في سبيل الله دورًا كبيرًا في الدفاع عن حياض الإسلام ، ودفع العدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا معًا ، ورد كيد العتاة و مغتصبي حقوق المسلمين وبلادهم وأعراضهم.
وحيال جهود المجاهدين ، نجد أنَّ هناك أناسًا لا يهنأ لهم بال ، ولا يقرُّ لهم قرار إلاَّ بالقدح فيهم ، ولمزهم ، والسخرية بهم ، والتندر بأحوالهم ، بل الإقذاع في ذلك وكأنَّهم مجرمون إرهابيُّون !
وحسبي في هذا المقال أن أخاطب من خلاله شريحتين لهما دور واضح في تسفيه جهود المقاومة الإسلاميَّة ، وكثرة البَرَم والحديث في وسائل الإسلام بتشويه صورة المجاهدين ، والتنقيص من قدرهم وهما:
1ـ من يسمُّون أنفسهم بالإسلاميين الليبراليين ، والذين يتصدَّرون الوسائل الإعلاميَّة بالقدح واللمز والتشويه للمجاهدين في سبيل الله.
2ـ بعض المنتسبين للعلم ـ وإن كانوا قلَّة ـ والذين يحقِّرون من المقاومة الإسلاميَّة ، ويقولون لا جهاد حقيقي وصحيح في هذا الزمان ، بل جميع الحركات المنتسبة للمقاومة الإسلاميَّة حركات عميَّة جاهليَّة !
وحقَّ لنا أن نعجب من هؤلاء القادحين كيف يسمحون لأنفسهم بأن يكونوا نوَّار فتنة ، ومشعلي حربٍ ضروسٍ، ضدَّ أناس لا يدافعون عن أنفسهم ، لأنَّهم خرجوا بأنفسهم وأموالهم ابتغاء رضا الله ـ تعالى ـ ؟! فهم معرَّضون للقتل والاستشهاد في سبيل الله ، بل هؤلاء المجاهدون يدافعون عن حرمات المسلمين وعن هؤلاء الذين يلمزونهم ، ويحتقرونهم ، وهم الدرع الحصين خشية تسلل الكفرة من أعداء الدين إلى بقيَّة بلاد المسلمين .
وهؤلاء القادحون بجهود المجاهدين والمقاتلين في سبيل الله ... لهم طرق وأحوال في الهمز واللمز بعدَّة أشكال ، فتارة يستهزئ هؤلاء بالمجاهدين قائلين عنهم:إنَّهم قوم ضعاف عاطفيُّون ناقصو العلم والعقل!
وتارة يقولون: أنَّهم متمرِّدون انفصاليُّون !
وتارة يقولون عنهم: إنَّهم مجانين يعرِّضون أنفسهم للقتل والخطر ، ولا يصنعون مشروعات شخصيَّة تخدمهم!
وتارة يقولون: إنَّهم متحمِّسون مستعجلون متعطِّشون للدماء !
وتارة يقولون: إنَّهم يضعون أنفسهم في محرقة وأتون حرب لا نجاة لهم منها !
إلى غير ذلك من أنواع التهكُّم والتسفيه لجهود المجاهدين الذائدين عن حياض الأمَّة وكرامتها .
نعم ... إنَّ المجاهدين غير معصومين فهم بشر تعترضهم الأخطاء ، وينتابهم القصور ، ويقعون في الزلل ، ولا شك في ذلك ، بل إنَّهم لا يدَّعون ذلك لأنفسهم ، فهم يطلبون من المسلمين المناصرة والمناصحة على حدٍّ سواء ...
بيد أنَّه هل المنهج العلمي الصحيح يبيح لهؤلاء اللاَّمزين أن يُقدِموا على لمز المجاهدين ، والطعن فيهم واتِّهامهم بالإرهاب والتطرف؟
وهل مثل هذه العبارات التي سقت شيئًا منها آنفًا ، هل يلمس من ورائها نصحٌ وتذكير للمجاهدين ، أو نقد بنَّاء يصبُّ في مصلحة الإسلام والمسلمين؟
والجواب عن ذلك: يستحيل أن يكون الهزء بالمجاهدين وحركات المقاومة الإسلاميَّة من قبيل النصح ، والفرق بين ذلك واضح .
* تقويم الخطأ بالنصح والتوجيه لا بالسخرية والتسفيه:
إنَّ المنهج الصحيح وهو منهج أهل السنَّة والجماعة أن لا أحد فوق النصح ، ولا يعني أنَّه إذا أخطأ المجاهدون في سبيل الله أنَّهم لا يُنصحون ولا يُبيَّن لهم خطؤهم وقصورهم ، ولكن تبيين الخطأ شيء واللمز من طرف خفي شيء آخر ، وكذلك التبرؤ من بعض الأفعال الخاطئة شيء والتبرؤ من الشخص الفاعل شيء آخر ، إنَّها موازنة تقتضي الإنصاف والعلم والعدل .